قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
العلامة المحفوظ: نحن مع أي حركة تغييرية ومع المطالب العادلة والمشروعة
العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ

خطبة الجمعة لسماحة العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ بمسجد السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، في بني جمرة، بتاريخ 11 فبراير 2011م.

التغيير أحد المعالم الكونية وهو سنة إلهية عظمى تجري على كل شيئ زماناً ومكانا قديما وحديثا..

نحن مع حركة الناس شباباً وكباراً، نساءً ورجالاً، ومع مطالبهم العادلة والمشروعة كما كنا دائما..

ومع أي حركة تغييرية سلمية باتجاه الدين والعقل والحكمة والتغيير..

وأي حركة من أجل الأفضل هي حركة مشروعة ومقبولة ومؤيدة منا إن شاء الله من دون تحفظات..

 

أولاً: الخطبة الدينية

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ.

صدق الله العلي العظيم

التغيير هو أحد المعالم الكونية وهو سنة إلهية عظمى تجري على كل شيء زماناً ومكانا قديما وحديثا سوى وجه الله عز وجل، فأنت تعيش في كل لحظة حالة جديده وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: "الليل والنهار يبليان كل جديد"، وقيل قديماً من بعض الفلاسفة: "إن التغيير قانون الوجود وأن الاستقرار موت وعدم".

ولأن التغيير سنة إلهية فإن علينا أن نستوعب ذلك فكرياً وعملياً ونفسياً ومعنوياً لكي نستثمر التغيير الإيجابي من أجل الارتقاء بأنفسنا من حسن إلى أحسن ومن حالة سيئة (لا سمح الله) إلى حالة أفضل من ذلك، سواء على الصعيد الأخلاقي أو الاجتماعي أو السياسي أو الفردي أو الجمعي، ولأن الله عز وجل تفضل علينا وأكرمنا بالعقل والإرادة فقد أعطانا حرية الاختيار مع أن الأمور بيد الله عز وجل من قبل وبعد وفي كل لحظة فلا يفكر إنسان أن القدرة بيده، وإنما يمكن أن يكون الإنسان مسددا من قبل الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم.. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى.

وقد أعطانا ربنا حرية الاختيار من أجل تحقيق فلسفة الامتحان والتمحيص والابتلاء وتحمل المسؤولية فكل إنسان هو رهين لأعماله وما جنته يداه وربنا عز وجل يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.. ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين.

إن التغيير يبدأ من داخل كل نفس إيجاباً أو سلباً وربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ، ولذلك إن النفس هي مفتاح التغيير، فربنا عز وجل يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا، وأمير المؤمنين عليه السلام يقول: "رحم الله امرأً عرف قدر نفسه"، ويقول في حديث آخر: "أَما إِنَّ أَبْدانَكُمْ لَيْسَ لَها ثَمَنٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ، فَلا تَبيعوها بِغَيْرِها".

توجيها وتحفيزا للناس لكي يستثمروا هذه النفس لكي لا تقع أسيرة للأهواء ووساوس الشيطان، فلا يبيع الإنسان نفسه رخيصة بينما أعزها الله سبحانه وتعالى وكرمها حين قال جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ.

فالتغيير في الفهم وفي السلوك وفي الشعور والتغيير في الأخلاق أمور كفيلة بإحداث الفارق في حياة المرء وفي المجتمعات وفي الأمم ولذلك فإن التغيير ليس عفويا وإنما يبدأ في مكان ما: من تغيير في الشعور والمشاعر، أو تغيير في الأخلاق أو الإحساس بالمسؤولية، أو تغيير في الفهم.

فيفهم الإنسان على الأقل ما لنفسه من قيمة فيتجاوز بذلك حدود الزمان والمكان، ولكن التغيير بحاجة للاستجابة للسنن الإلهية كما قال ربنا عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، حتى لو كانت في أقلها أن يعترف الإنسان بنفسه وبدوره، وأمير المؤمنين عليه السلام قال: "كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدر نفسه"، وكثير من الناس لا يعرفون قدر أنفسهم، فإذا ما عرفوا قيمة هذه النفس فإنهم يصنعون المعجزات، لكن أكثر الناس لا يقيمون وزنا لأنفسهم، مع أن هذه النفوس عظيمة عند الله عز وجل وقد يصل بها ربنا إلى درجة أرفع من درجات الملائكة لكن الناس قد ينزلون بها إلى مستوى أقل حتى من مستوى الحيوانات والعياذ بالله.

فلذلك فإننا نرى عز وجل قد غير أقوام ومجتمعات من الضعف إلى القوة ومن الذلة إلى العزة عندما رجعوا إليه وعندما استوعبوا سنن الله عز وجل في معرفة أنفسهم وربنا عز وجل يذكر الناس فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

ويقول ربنا عز وجل في موقع أخر: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.

إن أحد أهم خصائص المنهاج الإسلامي أنه منهج تغييري للأفضل، فلذلك فإنه يحفز الناس ويدعوهم للاستجابة مع المتغيرات الإيجابية ويقول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ، وفي موضع أخر يقول القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.

إن المجتمعات والأمم التي لا تستجيب للتغيير تحكم على نفسها بالموت والتحجر والتقوقع والعيش في عالم النسيان وأن كثير من الحضارات والممالك والدول انهارت عندما أخطأت في فهم هذه السنن الكونية، وعندما كابر الجبابرة والمتغطرسون والطغاة ووقفوا قبال سنة التغيير ظنا منهم - وهو وهم كبير - أن الأمور سوف تجري لصالحهم إلى أبد الأبدين، وعندما أخطأوا في فهم التغيير استجابة للمستجدات والمتغيرات على صعيد البشر سقطت دول وممالك وحكومات وجبابرة وطغاة بمهانة وإذلال كبيرين، ولذلك فمن لطف الله عز وجل أننا اليوم لا نقرأ وكأننا لا نراجع التاريخ أو نقرأ قصصا من التاريخ الغابر، أو أن ما نراه كيف تتساقط الفراعنة - وحتى في أرض الفراعنة - بالصورة والصوت والنبض والمشاعر وهي سنة قد جرت على الغابرين وستجري على اللاحقين..

 

ثانياً: الخطبة السياسية

إن ما يحصل اليوم في أحداث في مصر وما سبقه في تونس هو أحد الدلالات على أن التغيير هو سنّة لا يمكن الوقوف أمامها ودوام الحال من المحال، وإن والاستفراد والاستئثار والاستبداد عوامل لا يمكن أن تدوم لأن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، ولأن هذه العوامل هي عوامل للهدم والانحطاط للمجتمعات فيأتي شخص أو حزب أو عائلة أو عشيرة - لا فرق - فيستأثرون بكل شيء ويعتبرن أنفسهم كآلهة، فينطقون الحجر والمدر والبر والبحر بأسمائهم وأشخاصهم ويجعلون صوتهم هو الأعلى في قبال صوت الله وصوت الحق.

فيجعلون أشخاصهم موضع التبجيل وموضع التكريم مع أنهم لا يحملون شيئا من تلك القيم الإنسانية الرفيعة ثم يأتي الإعلام من زيف تلك الشعارات من ادعاءات وطنية وادعاءات الإخلاص فيتحدث الإعلام عن ثروات خيالية لشخص مثل حاكم تونس وعائلته والذين يدورون في فلكه، ثم يتحدث عن ثروة (مبارك) الذي يأكل شعبه "الفول"، ثم يعيش هو بثروة تصل الى 70 مليار دولار وتصور لو أعطي (مبارك) راتبا شهريا يصل الى 50 مليون دولار شهرياً ولا يصرف منه شيئا - وهو راتب خيالي وأسطوري - لما وصلت الثروة إلى هذا الحال، وما خفي من ثروات الطغاة والجبابرة والمستبدين هو أعظم من ذلك وسيكشف التاريخ بعد ذلك كما قال هو: "التاريخ سيحكم علي"، فالتاريخ حكم عليك من قبل ذلك.

وتصورا أن الكلام الذي كان ممنوعاً لأنه تدخل في شؤون داخلية لدول فإن نبض الشارع اليوم يصنع معادلة جديدة فيصبح حسني مبارك إلى معضلة حقيقية للحكام، فهم في نفس الوقت الذي يتمنون ثباته وبقاءه في الحكم فإنهم يتمنون أيضا في الجانب الآخر رحيله بسرعة حتى لا تتفجر هذه المشاعر في كل مكان، فهم يعيشون بين أمرين مرّين قاسيين، يتمنون له البقاء دعما للعروش المتهاوية، ويتمنون له الرحيل حتى لا يزيد من حماس ومن نبض الشعوب في عالم اليوم.

وسقطت سياسة الحزب الواحد، وقلت سابقاً - منذ أن سقط نظام صدام - سياسة القمع والقتل وسياسة الحزب الواحد الذي لا مكان لها في شريعة الدين والعقل والأخلاق والإنسانية، فالشريعة والعقل تقودنا، وربنا يقودنا للعقل والعمل الجمعي والشراكة الجمعية، منذ أن سقط ذلك الطاغية تحدثت عن سقوط النظام العربي لكنها مسألة وقت وربما أتى الوقت اليوم.

لنرى سقوط الحزب الواحد، والفرد الواحد، والعائلة الواحد، وسقوط سياسات القمع والتنكيل، فأمن الحاكم هو أمن الوطن - هذا هو الادعاء - أكثر من نصف مليون رجل أمن ليحفظون الحاكم، لكنه يعيش في جهة معزولة، وكما يقول الناس: "كل الناس بالشارع إلا حسني مبارك بالشارع".

إننا أمام واقع جديد، يقول أوباما وأمريكا حامية هذه العروش: "إننا أمام تاريخ يتشكل، فلا مفر من الحقيقة".

مع أن النظام العربي يخيم عليه صمت القبور كما هم دائما، لقد حولوا بلدانهم إلى قبور، وحولوا بلدانهم إلى عتمة في زمن الضوء والعلم والنور، تحولت هذه البلدان إلى عتمة وإلى ظلام.

لكننا فعلاً أمام واقع جديد يتشكل وربما أمام شرق أوسط جديد كما يتم الحديث عن ذلك، فقد قالت الشعوب كلمتها من خلال هذه الانطلاقة، هذه الانتفاضة عفوية في نظر الناس لكنه نظام الله عز وجل، وربما تأتي التغييرات من حيث لا يحتسب الناس، ولكي لا يقول قائل أنني أنا صاحب الصناعة ويقول أنا من عملت وقمت بذلك، ولكي لا يتبجح الناس والأحزاب والشخصيات والزعماء وينسب كل انسان إلى نفسه ذلك لكنها الحقيقة، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.

وأيضا لكي لا ييأس الناس عندما يأتي التغيير فيراه الناس عفويا ولكنه ليس كذلك لأن هناك من يدير الكون فقد يغفل الناس ويغفل الجبابرة والطغاة أكثر لكنه نظام الكون الذي يديره رب العزة الذي: ﴿يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء..، فلا يتوهم متوهم أن ما يحصل اليوم هو قضايا عفوية، لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق كل شيء بمقدار وبميزان وبمعادلات محسوبة لكن علينا أن نعي هذه الحقيقة.

لقد قالت الشعوب كلمتها بطريقة مختلفة ورائعة لم يتعود عليها حكام الاستبداد ولذلك يتغطرس فرعون في مصر اليوم أكثر فأكثر لأنه لا يستوعب الدرس، كما قالت الملكة في فرنسا منذ زمن عندما طالب شعبها بالخبز قالت: "لماذا لا يأكلون البسكويت بدل الخبز؟!".

وعندما يطالب الناس في مجتمعاتنا بشيء دائما يتحدثون "بحوار الطرشان": الناس تطالب بشيء وهم يتحدثون عن شيء آخر! فلا يسمعون الصوت ولا يلتفتون إلى نبض الناس إلا ادعاءً، ولا بد أن نعرف أن ما يجري في مصر هو طوفان وزلزال لا يمكن التكهن بنتائجه وآثاره التي سوف تنعكس على بقية الشعوب، لذلك فإنه ليس غريبا هذا التفاعل والتواصل الشعبي في أكثر من بلد وحتى في بلادنا التي يوجد بها تفاعل كبير فالناس يتسمّرون خلف شاشات التلفزيون ليشهدوا رحيل طاغية وليشهدوا سقوط أنظمة، فمع ما يحصل من أحداث في مصر استثارة عقول الناس ومشاعرهم، ورأوا فيها الأمل لغد مشرق جديد، بغض النظر عن المنطلقات وعن الأبعاد فالناس ينشدون التغيير ويريد الله عز وجل أن يستوعب الناس عظمة الخالق وسننه العظيمة في التغيير.

إن الحكومات مطالبة اليوم بإجراءات عملية وليست سطحية أو شكلية فالوقت ليس في صالح الحكام، وبحاجة إلى استجابة للمتغيرات فالناس في بلادنا وفي غيرها بحاجة إلى شراكة سياسية حقيقية وليست صورية تتمثل في حكومة منتخبة يقررها الناس وفي تداول سلمي للسلطة قبل أن يفوت الأوان فيذهب الناس إلى أبعد من ذلك، والناس بحاجة إلى توزيع عادل للثروة، فلا يمكن السكوت عن نظام لم يتبقَ فيه للناس في بلادهم من مساحة السواحل إلا 3% ومن الأراضي أن يصل الأمر إلى وجود أكثر من 70 ألف طلب إسكاني بينما توزع الجزر والأراضي على أفراد العائلة ثم نتحدث عن مدن جديدة أو كبيرة!! بينما في أرض الواقع يتم توزيع وحدات سكنية لا تتعدى المئات، والناس يتحدثون اليوم عن أرقام بعشرات الالاف ناهيك عن الزيادة السنوية التي تصل الى 7 الاف طلب!

ولا يمكن أيضا أن يسكت الناس على فقر مدقع ليصل إلى 50 ألف فقير! وربما لم يصل الفقر في بلادنا الى ما وصل اليه الحال في مصر لكنه فقر على أي حال، فرواتب الناس لا تكفيهم بينما تتكدس الثروات في أيدي قلة محدودة: "ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع" كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يمكن السكوت أيضا للناس عن استفراد بالمال وبالحلال وبالبر وبالبحر بطريقة سيئة ومبتذلة.

إن الناس بحاجة اليوم إلى إيقاف حملات القمع وإطلاق الحريات، لأنه ثبت أن القمع لا يجدي نفعا والوقوف في وجه المطالب من خلال استخدام القوة والبطش لا يغير من الحقائق شيئا، لذلك لا بد من العودة إلى العقل والحكمة بدلا من الوقوف في وجه الناس وبدلا من التهويل بضرب الناس وبقمعهم.

إن البلد بحاجة إلى إصلاحات سياسية حقيقية تجاوزت الملفات المطروحة، ربما اليوم الحديث عن اصلاحات للملفات الموجودة أصبح من الماضي لأن اليوم ينبغي إصلاح النظام السياسي لأنه نظام فاسد لا يتوائم ولا يتواكب مع العصر ولا يتماشى مع متطلبات الأمور قبل أن تصل الأمور إلى أبعد من ذلك فإن المطلوب إصلاحات سياسية حقيقية تتمثل في تمثيل عادل في السلطة يحقق الشراكة السياسية عمليا من خلال إجراء انتخابات عادلة وحقيقية وإلغاء نظام المجلسين وتمثيل الناس من خلال حكومة منتخبة تحدث عنها الميثاق - مع تحفظي عليه وموقفي منه - تحدث الميثاق عن مملكة دستورية تقوم على أساس تداول سلمي للسلطة وهو مطلوب اليوم أكثر من أي وقت أخر.

وعلى الجمعيات والحكم والعلماء والحقوقيين والمحامين والشرائح السياسية أن تعي أن الأمور وصلت لمراحل متقدمة في الواقع السياسي اليوم حتى لو لم تكن كذلك على الصعيد الرسمي أو الشعبي.

ونحن مع حركة الناس شباباً وكباراً، نساءً ورجالاً، ومن اللافت للنظر أن النظام في مصر يتحدث اليوم عن حركة الشباب القوية ويعترف بالحضور الشبابي اللافت، وقلنا سابقا أنه لا ينبغي التقليل من دور الشباب بالمجتمع، ولا ينبغي وصفهم أو إلقاء التهم عليهم جزافا من خلال وصفهم بالجهل ومن خلال وصفهم بالفوضى واللامسئولية، واليوم يعترف النظام في مصر بحركة الشباب والأنظمة بحاجة، والحكام أيضا بحاجة إلى الاعتراف بحركة الناس كبارا وصغارا..

نحن مع الناس ومع مطالبهم العادلة والمشروعة كما كنا دائما، ومع أي حركة تغييرية سلمية باتجاه الدين والعقل والحكمة والتغيير من أجل مصالح البلاد والعباد، وندعو للناس بالتوفيق وندعم مطالب الناس وكما أقول دائما، إن الناس هم أصل المعادلة والناس هم أولا وليست الأوطان لأن الأوطان تتشكل من خلال الناس.

الناس لا يحتاجون إلى أحد، حتى رب العزة والجلالة قد أوكل أمور الناس إلى أنفسهم: "إن الله أوكل إلى المؤمن كل شيء ولم يوكل إليه أن يذل نفسه"، والأنبياء والرسل هم مجرد محفزين كما ذكر ربنا عز وجل حيث قال: ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر.

على الناس أن يعرفوا دورهم وأن يتحملوا مسؤولياتهم وأن يقوموا بواجبهم، نعم عليهم أن يستمعوا لصوت الدين والعقل والحكمة وللإيجاب لا للسلب، لكن هم من يحدد المسار، ويكفي سياسة الحزب الواحد والزعيم الواحد والحكم الواحد والعائلة الواحدة أيا كانت، سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي والباقون سوف يتبعون حركة الناس، وفي أدق تعبير لأمير المؤمنين عليه السلام في فلسفة بعث الأنبياء أنه قال عن ذلك: "ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم بمنسي نعمته، ويثيروا لهم دفائن العقول".

نحن اليوم أمام استثارات عظيمة للعقل، ومع الناس دائما وأبدا، وعلى بركة الله في كل حركة تغييرية من أجل الأمة والله والوطن، وعلى الحكم أن يستجيب للمطالب العادلة والمشروعة دائما وأبدا بغض النظر عن التوقيت وعن الاختلافات في الرؤى الموجودة، فأي حركة من أجل الأفضل هي حركة مشروعة ومقبولة ومؤيدة إن شاء الله من دون تحفظات، نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا بما يعين الصالحين على أنفسهم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

212737
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف