قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
كلمة المرجع المُدرّسي بمناسبة سقوط نظام مبارك
سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي
سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي

القى سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي (دام ظله) كلمة متلفزة للامة الاسلامية والشعب المصري المسلم بمناسبة سقوط نظام مبارك في مصر اليكم نصها:

 بسم الله الرحمن الرحيم

"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿٣٩﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّـهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّـهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّـهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّـهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿٤٠﴾ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ"

صدق الله العليّ العظيم

 ما حدث في إيران قبل ثلاث وثلاثين عاماً، أو في مصر اليوم، وبينهما ما حدث في العراق وأفغانستان وجنوب لبنان وتونس، وهنا وهناك ليست حوادث منفصلة عن بعضها، إنما هي في الحقيقة هبّة إسلامية عارمة تغذيها ليست العوامل المادية، مثل القضاء على الفساء والتخلّف الإقتصادي والفقر والبطالة فقط، وإنما أيضاً تغذيها روح القرآن وروح التاريخ الإسلامي وروح الوحي الذي نزل على النبي محمد ، فصاغ النبي بإذن الله تلك الأمة الشاهدة على الأمم كلّها، وقال سبحانه وتعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً".

إن هذه الأمة التي صاغتها يد الوحي، ولا يزال الوحي القرآني والوحي الذي تمثل في كلمات الرسول الوضيئة وأهل بيته    الأطهار، وأيضاً في سيرتهم الوضيئة، هذا الوحي لا يزال يغذي ثقافة الأمة، وبالرغم من كل التحديات الداخلية والخارجية إلاّ أن قلب الأمة لا يزال ينبض بالدين، إذا كنتم قد رأيتم - وقد رأيتم إن شاء الله - كيف أن وسط مصر (ميدان التحرير) قد ارتفعت اليوم فيه هتافات (الله أكبر) والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى والدعاء، وكذلك في سائر المدن المصرية وتذكرتم ذات هذه الصورة قبل ثلاث وثلاثين عاماً في إيران، وذات هذه الصورة في العراق، ولا سيما في الملحمة الكبرى التي جرت في أيام أربعين الإمام الحسين سلام الله عليه، والمسيرات الراجلة من أقصى نقاط العراق إلى حيث الحسين، حيث الشهادة، حيث الدم، حيث التضحية من أجل الله سبحانه وتعالى. كل هذه الصور المتفرقة ظاهراً، المتناثرة على رقع مختلفة من الأرض، كلها تعبّر عن حقيقة واحدة وهي أن الإسلام لا يزال حياً في نفوس الأمة، وأنا التحديات تكالبت على الأمة، وأنا تكاثرت عن الأمة، إلاّ أنها لن تفت في عضد الأمة.

القرآن الكريم هو الرسالة الأخيرة لرب العزّة للبشرية، وحاشا لله أن يبعث رسالة ناقصة، القرآن هو الذي يتحرك دائماً أمام الشعوب، أمام البشرية، وكلما أراد الناس أن يتخلّصوا من فقرهم، من ضلالتهم، من تمزقهم، من تخلفهم، فإذا عادوا إلى القرآن وجدوا فيه متسعاً من الروح، من النور، من الفرقان، ويستطعيون أن يتسلّحوا به ويحققوا أهدافهم وآمالهم.

أيها الإخوة الكرام في كل مكان..

الحرية لا تمنح لأحد من قِبل هذا وذاك، إنما الحرية هبة من الله للبشرية، الكرامة ليست من هذا وذاك، الكرامة هبة الله للبشرية، الله بكل جلاله وعظمته هو الذي كرّم بني آدم على كثير ممن خلق، الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاك - أيها الإنسان - هذه المواهب العظمى، العقل، العلم، وسخر لك ما في الأرض جميعاً. فأنت لا تنتظر هذا وذاك يقدمون لك حريتك على طبق من ذهب، خذ حريتك من القرآن على طبق من النور وانطلق، وقد كفل الله لك النصر. أو لم يقل ربنا سبحانه وتعالى: "ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم"، وعد الله، هذا وعد الله: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، وهذه الآيات التي تلوتها في سورة الحج كيف أن ربنا سبحانه وتعالى يؤكد لك ولكل مسلم وعبر التاريخ: "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".

إن وفرنا شروط النصر في أنفسنا، إن جاهدنا، إن قاتلنا، إن ضحينا، فإن الله سبحانه وتعالى ينزل نصره المؤزّر، بالرغم من أن أكثر الناس لا يعلمون ، يعدمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، ولكن المؤمن الواعي والمسلم الواعي  يستوعب هذا النصر. إنما ينبغي على الشعوب، كما على المسؤولين، أن يفهموا هذه المعادلة، وقد سبق وأن بينت في أكثر من بيان وأكثر من خطاب، وأقول مكرراً: أيها المسؤولون في كل مكان، يا من بيده الصولجان، يا من بيده المال والسلطان، يا من يملك وما يملك من نعم الله سبحانه وتعالى، سخّر ما تملك اليوم وليس غداً من أجل خدمة الأمة، من أجل خدمة الشعب، ولا تضحك عليهم، لم يعد الناس يغترون بوعاظ السلاطين بهذه الفتاوى الفاسدة المفسدة، هذه الفتاوى التي تشترى بالدرهم والدينار، هؤلاء المفتين الذين اشتروا بالدينار الملطخ بدماء الشعوب، بالدولار الملطخ بدماء الشعوب، يفتون بإن الخروج على السلطان، أي سلطان؟ الله هو السلطان، كفوا عن هذه الكلمات الشركية، أيها المشركون. أنت مشرك حينما تعتقد بأن هناك سلطان غير سلطان الله في الأرض، لا سلطان إلاّ سلطان الله، من أنت تقول سلطان؟ من هذا الرجل الذي يقول أنا سلطان وأنا ملك وأنا عزيز وأنا جبّار؟ الله هو العزيز، هو الجبار، وأنت ذليل وضعيف ولا تملك شيئاً. كفاكم، يا علماء البلاط كفاكم بيعاً لضمائركم.

إنني أحيي العلماء المجاهدين الذين وقفوا أمام الشعب المصري، علماء الأزهر الشريف الذين نزلوا إلى ساحة التحرير في مصر وكانوا مع الناس، أحيي هؤلاء الجنود الأحرار الذين نزلوا مع الناس، أحيي كل الموظفين وكل المسؤولين الذين وقفوا مع الشعب المصري، وأرجوا أن يكونوا هؤلاء هم القدوات. التقدم ليس حكراً لزيد أو عمر، لهذا البلد أو ذاك، للغرب أو الشرق، أنتم أيضاً تستطيعون أن تحققوا التقدّم الحقيقي.

يا من يجلس على موائد الملوك ويعطوهم الفتاة التي تعطى للكلاب - أجلكم الله - أنتم أكرم عند الله من هؤلاء، من هؤلاء حتى يستعبدوكم؟ إلى متى تصبحون عبيداً للآخر؟ كونوا أحراراً في دنياكم، كونوا أحراراً في أخراكم، كونوا موحدين للرب، وحّدوا ربكم، لا تخضعوا للسلاطين الطغاة، ومن لا يخضع للطاغية فإن الله ينصره. أوَ لم يقل ربّنا سبحانه وتعالى: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله"، ومن هو الطاغوت؟ حقيقة حينما سمعت أن بعض وعاظ السلاطين، علماء البلاط، بعض الذين استعبدتهم هذه الدنيا بزخارفها، وأرجلهم على قبولهم، سمعت أنهم يفتون للشعب المصري بأن يبقى مع النظام الطاغية، وسمعت بأن البعض جلس قال: حرام الخروج على السلطان، أي سلطان؟ أليس سلطان غير الرب؟

الحكم لله، وأنتم الذين تكفرون الناس لأنهم يتقربون إلى الله في قبور الأولياء، ولكنكم تخضعون للسلاطين حينما يدفعون لكم الدينار والدرهم؟ تعتقدون أنكم موحدون؟ أعوذ بالله، أستغفر الله. أنا أخجل من نفسي حينما يسمون مثل هذا عالِم.

العالِم بالله الذي يعمل لله، ويفتي باسم الله ومن أجل الله، يفتي بما قال الله في كتابه وما قال النبي في الأحاديث الصحيحة وليست أحاديث السلاطين، كل حديث يخالف القرآن يضرب به عرض الحائط.

والآن بالنسبة إلى شعوبنا كلها، هنا وهناك، فمنهم من تحرر ومنهم من سوف يتحرر بإذن الله، أقول لهؤلاء الشعوب: إياكم والانتقام، إياكم والفتن، إياكم من الاختلاف، وحّدوا صفوفكم تحت راية لا إله إلاّ الله، تحت راية التوحيد الخالص، تحت راية الإنسان الذي لا يعرف غير الله سبحانه وتعالى حاكماً.

نعم، هناك بعض الناس يديرون الناس، لكن تبقى الحاكمية لله، والسلطان لله، والدين لله، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. إن بقيتم مخلِصين ومخلَصين لله سبحانه وتعالى، أتقياء أنقياء، حنفاء، غير مشركين، غير خاضعين للطغاة، ربنا سبحانه وتعالى سوف يؤيدكم. آنئذ لا تمدّوا يدكم للشرق أو للغرب، لا تطلبوا مساعدة هذا وذاك. الله يمن عليكم، إذا توكلتم عليه فإن الله هو حسبكم: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، توكلوا على الله، ثم طبقوا أحكام الله. ربنا سبحانه وتعالى يقول بكل صراحة: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"، هذه خارطة الطريق، هذا البرنامج الصحيح، إقامة الصلاة بحدودها، وإيتاء الزكاة وتوفير العدالة للجميع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: "ولله عاقبة الأمور"، الأمر بيد الله.

إننا في لحظات تاريخية، إننا نهنئ الشعب المصري ونهنئ الشعوب الإسلامية كلها، ونعتقد أن الأهم في سقوط الطاغية هو حركة الجماهير، عودة الناس إلى ربهم، تضرعهم إلى الله سبحانه وتعالى، وحدتهم، إقامتهم للصلاة، إقامتهم للصلاة، إقامتهم للصلاة. الصلاة في ساحة التحرير في القاهرة وفي الساحات الأخرى في سائر المدن، الصلاة، الصلاة، هذه هي التي استنزلت النصر لكم، فلا تنسوا، تمسكوا بالصلاة، تمسكوا بالزكاة، تمسكوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل المسؤولية. الكل اليوم ينبغي أن يقوم بإصلاح نفسه وإصلاح الآخرين، والشعوب الأخرى أيضاً يجب أن يتحملوا مسؤولياتهم، وعلى كل من يحب نفسه ويحب بلده أن يتعاون مع الآخرين في سبيل إصلاحه.

الظلم لا يبقى، الظلم ظلمات لمن يظلِم وعذاب لمن يظلَم. الآن إن كان هناك من يسمع كلامي، هنا وهناك أقول الآن تب إلى الله، الله تواب، توبوا إلى الله، اتركوا الظلم، اتركوا الفساد، صالحوا شعوبكم، صارحوا الناس بما تريدون أن تفعلوا، تعاونوا فيما بينكم وإبنوا بلادكم وإلاّ كل البلاد سوف تتعرض لهزّات، هذا زلزلال عظيم، والعظمة لله، لابد أن نفكّر في كيف أن نستوعب الهزّات الإرتدادية لهذا الزلزال ونوجهها بالإتجاه الصحيح.

أقول ناصحاً، ولا أملك إلاّ الدعاء لكم جميعاً، جميع الناس ينبغي أن يفكروا تفكيراً إلهياً، يخلصوا عملهم لله، يتعاونوا فيما بينهم، حذار حذار من الفتن، من التفرّق، من الأحكام الكاسحة على هذا وذاك، من روح الإنتقام. الله الذي نصركم إيها الإخوة في مصر وأيها الإخوة في تونس وأيها الإخوة في كل مكان، الله الذي نصركم، الله الذي أنعم عليكم، يأمركم بالعفو، بالمعافاة، بالتعاون، بالتشاور، عودوا إلى القرآن، عودوا إلى روح الوحي، عودوا إلى نهج النبي وأهل بيتهم (عليه وعليهم الصلاة والسلام)، ثم انظروا كيف أن الله سبحانه وتعالى ينزّل عليكم من السماء غيثاً، والأرض إن شاء الله تتفجر بالبركات وتعيشون آمنين مطمئنين، ولا يغرنكم الشيطان، ولا يغرنكم بالله الغرور.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمع كلمتنا، يؤلف قلوبنا، يؤلف بيننا وبين صفوفنا، يجعلنا إن شاء الله يداً واحدة كما أمر الرسول، حينما قال: المسلمون تتكافئ دماؤهم وهم يداً على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم.

نسأل الله أن يجعلنا حيث أرادنا الله، وأراد لنا رسول الله ، والعترة الطاهرة من أهل بيته، والأصحاب المنتجبين ممن اتبعوه، والذين اتبعوهم بإحسان. نسأل الله أن يجمع كلنا تحت لواء الحمد في الآخرة وفي الدنيا تحت ظل راية لا إله إلاّ الله، إنه ولي التوفيق، ونقرأ معاً هذا الدعاء العظيم ونقول:

اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعز بها الإسلام وأهله، وتذل به النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.

اللهم ما عرفتنا من الحق فحبلناه، وما قصرنا عنه فبلغناه، بحق محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وصلواتك عليهم أجمعين.

207797
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف