قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
قدوة المؤمنين
حرم النبي محمد(ص)
حرم النبي محمد(ص)

من رؤى سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي دام ظله الوارف

   لقد خلق اللـه سبحانه وتعالى الانسان ليكون اشرف واكمل واسمى خليقته على هذه البسيطة، بل من اجل ان يستضيفه الى دار الخلد والنعيم، الى الجنة.. كما سخر كافة الكائنات والمخلوقات الأخرى في خدمته ومن اجله، حتى جعل الملائكة التي نُزِّهت من كافة الفواحش والذنوب في خدمة هذا الانسان، بل فوض الله تعالى الانسان قيادة وخلافة الارض مالم يفوض اياً من مخلوقاته: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)  لماذا؟ هل لان هذا الانسان اضخم واكبر حجما وطولا من هذه الجبال والكواكب والمعادن و ..؟ كلا .


   ان اللـه سبحانه فعل ذلك بعد ما زود الانسان بنور العقل وقوة الارادة ، ومنحه قدرة الاختيار والانتخاب؛ ان شـاء اختـار سبيل الـهدى، وان شـاء اختـار طريـق الضلال: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الانسان: 3).
   لذا حينما يتجاوز هذا الانسان بارادته العقبة ويقتحمها ويتسامى، فانه يستحق العظمة، ولذلك يباهي ربنا ملائكته به .. وما ادراك ما الملائكة ؟


الانسان اسمى من الملائكة

إنهم بزمام ايديهم ادارة حركة الرياح والشمس والارض والسحاب بتوكيل وبقدرة الباري عز وجل، بالرغم من ذلك فان اللـه يُجل شأن عبده الانسان ويفضله على ملائكته.


   بلـى.. ان ذلك العبـد الذي ارتخت جوارحه في جوف الليل، وفي تلك الليلة الباردة التي سكنت فيها الانفاس وهام ظلام الليل على اهله، وهو يرقد على فراشه الوثير، ثم تدغدغه ساعة اللقاء والوصل بمقام العزة والربوبية، فينتزع نفسه قبل اذان الفجر من فراشه ليتوضأ، ثم ليستقبل القبلة مناجياً المولى القوي العزيز يطلب منه العون والقرب والكمال.. انه يركع ويسجد ويخشع قلبه خوفاً من غضب اللـه، ورجاءً في ثوابه وجزيل آلائه.. هذا الانسان لايحق للملائكة ان تشكو اللـه تفضيله عليها، وذلك لان هذا الانسان المؤمن قد استجمع كافة عوامل الضعف في وجوده المادي وجسده النحيف، الا انه قوي بارادته. فلهذا يقتحم كافة عقبات الضعف والهوان المادي بتوكلـه على الله القوي العزيز ليدخل في حصن الرب، ورياض الرحمة الربانية.

سباق التكامل

ان الملائكة لم تعان من عوامل الضعف والهوى، حتى تتسلق مدارج الكمال والرقي والقرب الالهي خطوةً خطوة، بينما الانسان يصارع بارادته كل يوم، بل كل لحظة، كافة عوامل الضعف الموضوعة امام مسيرته في هذه الحياة كيما يحرز على قصب السبق رجاءً وطمعاً في رحمة اللـه اللامتناهية .


   اذن؛ ان قصة مسيرة الانسان على وجه هذا الكوكب، هي قصة صراع الارادة وسباق التكامل والرقي البشري. وفي هذه المسيرة ينبغي وجود بعض القدوات والنماذج الطيبة التي تستدعي الاقتداء بها والوصـول الى سلالم الكمالات الانسانية، وذلك لما تتمتع به هذه القدوات من صفات انسانية عالية تستحق التأمل والاعتبار.


   ومن هنا يتجلى احد جوانب مهام الانبياء والرسل والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، كيما يكونوا قدوات واقعية وميدانية ونماذج متحركة وحية، وترجماناً لفحوى التعاليم والقيم الالهية امام انظار الناس.


القدوة .. ضرورة

ان الانبياء العظام والقدوات المباركة الأخرى عرفوا قدر حياتهم ووجودهم فتسابقوا صوب نعيم الباري عز وجل، فكانوا ينظرون الى الحياة باعتبارها جسرا وطريقا للوصول الى الجنة، بل كانوا يستشعرون الجنة في الدنيا، وكذلك عذاب النار وهم يعيشون حياة الدنيا.


   من هنا يتساءل المرء ما الذي حدى بهؤلاء القدوات العظام الى ان يقضوا كل لحظة من لحظات حياتهم في طاعة وذكر اللـه سواء في نهارهم او ليلهم؟ لقد كان نهارهم مجالا لهداية الناس ووعظهم وادارتهم، والدفاع عن حريم القيم الالهية والوقوف في وجه الاعداء، وكان ليلهم فسحة طيبة لمراجعة الذات والنفس، والتهجد لله سبحانه. انهم استشعروا لذيد نعيم الجنة ومدارج الآخرة، فأصبحت حياتهم كلها اخروية.


   لقـد كانوا على يقين بأن ثمن هذا الجسد وهذه الروح هو الجنة، لقد عرفوا عظمة الجنة والخلود فيها، فمن يرغب ان يترك النعيم الخالد في قبالة لذائذ زائلة في الدنيا تتبعها نار جهنم؟


   لذا يفترض بنا ان نجعل من حياة كافة انبياء اللـه والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وخاصة نبينا الاكرم محمد (صلى اللـه عليه وآله) قدوة في حياتنا، ونجعل مسيرته خريطة متكاملة امامنا، ونسعى من اجل ان نحذو حذوه، ونعمل بهداه ، كما فعل الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) في اتباعه الكامل لحياة الرســول (صلى اللـه عليه وآله)، فكان يتبعه كما يتبع الفصيل لأمـه.


النبي الأكرم خير قدوة

ان هذا الرسول الاكرم (صلى اللـه عليه وآله) الذي جعله الباري افضل خلقه، وخاتم انبيائه، واعز خلق من مخلوقاته، حتى قال تعالى في حديث قدسي: "لولاك لما خلقت الأفلاك" نراه يتعب ويُرهق نفسه في جوف الليل رجاءً في الثواب والتقرب اليه. فقد كان (صلى اللـه عليه وآله) يقف متهجداً في الليل حتى تتورم قدماه، وكان (صلى اللـه عليه وآله) له حبل يتعلق به حتى لايقع من شدة التعب، وإذا جاع (صلى اللـه عليه وآله) يشد حجر المجاعة على بطنه، وهو مالك للمال ولكن ينفقه في سبيل اللـه .. هذا ناهيك عن عظيم خلقه وشدة حلمه وصبره على اذى قومه له.


 حقا نتساءل: اذا كان الرسول العظيم يفعل هكذا مع جسده طاعة لله، فماذا سوف يكون حالي وحالك انت ايها المؤمن؟!


   ان الإنسان الذي تشغله كل ليلة برامج التلفزيون والبث الفضائي، ثم يهوي بعدها الى فراشه، حتى يتحول - حسب تعبير الأئمة (عليهم السلام) - الى "جيفة"، يكون من  الغافلين.
   كثيــر من الناس يشكون من الاحلام المزعجة التي تتعقبهم بالليـل.. فهذا يرى الشرطة تطارده، وذاك يحلم بالبيع والشراء والخسارة، وذاك يرى الدائنين يهجمون عليه ليخنقوه.. وسبب ذلك يرجع الى ان هؤلاء يعيشون على مدار اليوم هموم المعيشة والدنيا فقط.


   لابد ان نجعل للقرآن وتلاوته، والصلاة، وذكر اللـه مساحة تتسع لها اوقاتنا التي تذهب كل يوم دون رجعة.. لابد ان نروِّح انفسنا بتلاوة ذكر اللـه قبل النوم، ولابد ان نعيش الآخرة والموت كل يوم.. ان نزور المقابر، ونترقب مصيرنا الذي سوف نؤوب اليه.. اليس من الاعمال المستحبة ان يحفر الانسان قبره قبل موته ثم ينام فيه مستعداً لساعة الأجل الحاسمة؟


   لقـد كان الامام زين العابدين، ذلــك الامام الزاهد العابد، كما يقـول هو (عليه السلام) يدرس حياة الرسول (صلى اللـه عليه وآله)، بــل يحفظ مغازيه (صلى اللـه عليه وآلـه) وسيرتــه. فـاذا كـانت حياة الرســول عامـة هـي جملة دروس لامامنا السجاد (عليه السلام)، فكيف لاتكــون منهجـاً وخريطـة عمـل لنـا جميعــاً؟


جاءت في كتاب (بحار الانوار) رواية حول كيفية شرب النبي (صلى اللـه عليه وآله) للماء، فلقد كان (صلى اللـه عليه وآله) يطبق ثلاثين ادبا لدى شربه للماء.. وما هذه الامراض التي تصيب المعدة والكبد والكلية والاثنى عشري و.. الا بسبب عدم مراعاتنا لاداب الاسلام في الأكل والشرب والنوم و..  ان انحرافاتنا الحياتية تكمن في حدوث الفجوة والفاصلة بيننا وبين رسولنا الاكرم والائمة المعصومين (عليهم السلام) فانقطعنا عن فيض نورهم وهداهم، كما ينطفئ المصباح عندما ينقطع التيار الكهربائـي عنـه.


لماذا الغاء دور القدوة ؟

عندما تسأل بعض الناس: لماذا لا تقتدون بالرسول الاكرم والأئمة (عليهم السلام) يجيبك قائلا: لايمكن لنا ان نكون مثلهم، متناسين قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الكهف: 110).


   ثم كيف لايمكن لنا اتباعهم والاقتداء بسيرتهم وقد جعلهم الله لنا اسوة حسنة، وكيف يقول الامام علي (عليه السلام): "الا وان لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه" ؟


   واذا كنا نبرر عدم الإقتداء بهؤلاء بأن الرسل والائمة (عليهم السلام) معصومون، فما بالنا بالصديقة زينب، وسيدنا العباس، وعلي الأكبر، والقاسم بن الحسن، وكذلك اصحاب الرسول والأئمة (عليهم السلام) كأبي ذر، والمقداد، وسلمان، وحبيب ابن مظاهر الاسدي؟ وماذا نقول في علماء الدين العظام الذين ينتهجون سيرة الحـق والتقـوى؟ وقس على ذلك الشهداء الابرار الذين ضحوا بأنفسهم الغالية في هذا الطريق المبارك.


شروط الاقتداء

انظروا الى الطريقة الجميلة التي يتحدث عنها ربنا في سورة الاحزاب حيث يبدأ بذكر النبي (صلى اللـه عليه وآله) اولا ثم ينتهي بذكر المجاهدين والشهداء.. يقول ربنا: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: 21).


   اي ان هناك ثلاثة شروط للاقتداء بالرسول حسبما يضعها القرآن الكريم في هذه الآية المباركة:
   الاول والثاني: ان نرجو اللـه واليوم الآخر ونعتقد بأنه حق وليس بكذب، وان هذه الدنيا ليست نهاية حياتنا ومصيرنا، بل هي بداية مسيرتنا الى دار الخلد.
   الثالث: "وذكر اللـه كثيراً"؛ يعني ان لا نغفل عن ذكر اللـه سواء في السوق والتجارة، او في ساحة الحرب. ويضرب القرآن مثلا في هذا الصدد فيقول: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ اِلآَّ اِيمَاناً وَتَسْلِيماً) (الاحزاب: 22) اي الايمان باللـه والتسليم للقيادة الربانية.


   ان المؤمنين لا يلومون الرسول على شدة الوطيس وزحمة المشاكل، بل يسارعون الى مساندة القيادة  ودعمها. فالذي يريد ان يتقدم يجب ان يعطي ويستقيم. ثم يقول ربنا: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) (الاحزاب: 23).


   فالرجل الذي يُرزق الشهــــادة، والذي يترقب وينتظر الشهادة هما على حد سواء: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ اِنَّ اللَّه كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) (الاحزاب: 24). 

موقع مكتب سماحة المرجع الديني آية الله العظمى المدرسي (دام ظلّه)
www.almodarresi.com
207797
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف