قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
الحسينيات بيوت الله وبيوت المعرفة

قبل عدة أعوام رصد أحد الباحثين في كتاب له أكثر من خمسمائة حسينية في بلد صغير جداً هو البحرين، وإذا أردنا أن نحصي الحسينيات والهيئات الحسينية وما يشابهها في مجال العمل لإحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) في بلدان أخرى مثل إيران والعراق مثلاً، فإننا سوف نقف عاجزين عن الإحصاء والعد، لما نراه من كثافة لمثل هذه المؤسسات في كل محلة وكل حي وكل زقاق، وهكذا في سائر البلاد التي تمتاز بالتواجد الشيعي الموالي لأهل البيت (عليهم السلام)، كبلدان الخليج ولبنان والهند وما أسس منها في أوربا وأمريكا والدول الأفريقية.

هذا الأمر يدعونا إلى الاهتمام بهذه المؤسسة الرائدة في صناعة الثقافة الإسلامية وفي صياغة الوعي المجتمعي وتعزيز الولاء والعقيدة عند الناس، وعلى الأخص بعد أن برزت هذه المؤسسة في البث الفضائي في أكثر الفضائيات الشيعية لتنتقل إلى كل بيوت الدنيا، فيتابعها المؤالف والمخالف والجاهل بأمر أهل البيت وبعلو مقامهم ومراتبهم التي رتبهم الله فيها.

الاهتمام الذي ندعو له هو أن تكون هذه الحسينيات بحق بيوت الله وبيوت المعرفة، فهي من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كما قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)، وهي بيوت المعرفة التي يتعرّف من خلالها الناس على معارف أهل بيت النبوة وموضع الرسالة، كما جاء عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: (رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف يحيى أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا).

ولا يمكن أن تكون كذلك إلا بالإهتمام بها شكلاً ومضموناً، ويمكننا أن نشير إلى مجموعة من النقاط التي تساهم في ترشيد المؤسّسة الحسينية لتكون مناراً لكل الناس بمختلف مشاربهم، ونقسّم ذلك إلى قسمين، قسم خاص بالإدارات والمتولين للحسينية، وقسم آخر خاص بالمرتادين لها:

1/ الخطاب الموجّه للإدارات هو خطاب مختلف عن الخطاب الموجّه للمرتادين، فإن الإدارة والمتولين هم رعاة وعاملون في سبيل تطوير المؤسسة من حيث المضمون كأن تهتم باختيار الخطيب الناصح العارف والموجه الرسالي، الذي يعالج هموم الناس مهتدياً بهدى أهل البيت (عليهم السلام) والقرآن الكريم. وتطوير كل ما يتصل بالاهتمام بالمضمون.

وفي جانب آخر فإن الإدارة ينبغي أن يكون قلبها واسعاً بسعة ما يرشد إليه أهل البيت (عليهم السلام) في التعامل مع الناس الذين جاؤوا لممارسة الشعائر والإحياء، فالإمام الحسين للجميع، ويهتدي به الجميع، وكلٌّ يأخذ منه بقدر، فالإستيعاب هي السياسة الأهم لبلوغ التأثير بالكلمة الطيبة في المجلس الحسيني، قد يكون رأي البعض أننا لا ينبغي أن نستقبل العصاة والمتمردين على بعض التشريعات من حيث التطبيق من غير الملتزمين في سلوكهم أو لباسهم أو شعرهم أو ما أشبه ذلك، إلا أننا نقول بأن هذه المؤسسات هي الحاضنة وهي بوابة للقبول لا الطرد والتعنيف، وهذا نوع من الدعوة إلى الله وإلى أهل البيت (عليهم السلام) حيث يستقبلون معززين، لكي يستمعون القول، ويدعون بالحكمة والموعظة الحسنة، فليس على المتولين والخطباء إلا التبليغ بالتي هي أحسن، والنصح والتذكير، أما سياسة الطرد والرفض فإنها من الفضاضة التي نهى عنها القرآن الكريم، حيث قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران : 159]، ومن أكثر ما أمر الله تعالى به الرسول هي مداراة الناس.

فإن كان البعض لا يريد إلا المؤمنين الخلص دخول الحسينية التي يتولاها، فإنه قد لا يجد إلا القليل جداً، وهذا مناقض لمهمة الحسينية لأنها بيت من بيوت الله وبيت للتعرف على توجيهات وعلوم أهل البيت، فلا بد أن يأتي الجميع لكي يتزودوا وينهلوا من عذبها، فكم من مخالف وكم منحرف اهتدى بسبب حضور هذه المجالس المباركة، فهي محل الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، وهي نظام لتعديل السلوك الإنساني. إن التاريخ يخبرنا أن المسلمين يوماً جاؤا إلى الرسول مستنكرين ارتياد شارب الخمر للمسجد، فقال لهم الرسول : دعوه فإن الصلاة ترجعه، هكذا ينبغي أن يكون لدينا قلباً واسعاً كخدام لأهل البيت (عليهم السلام) لنستوعب الآخرين ونؤثر فيهم بالحكمة وبالتي هي أحسن.

2/ أما الخطاب الموجه للمرتادين، فهو مغاير ومساعد لمهمة الإداريين، فلا يعني أن على المؤسسة الحسينية أن تستوعب كل الناس، أننا نختار موقعاً دونياً، وإنما لابد أن نسعى لنكون في طليعة المتميزين أخلاقاً وسلوكاً والتزاماً، كل ذلك من أجل بناء شخصياتنا وفق توجيهات أهل البيت (عليهم السلام)، ومن أجل احترام المكان الذي نحن فيه، لكي نكمل الصورة المثلى لهذه المؤسسة، فتكون بحق معبرة عن شيعة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم زيناً لهم، ولكي يقول من يشاهد ويحضر من المخالفين: هكذا أدبهم جعفر بن محمد (عليهما السلام).

من أشد ما يشوه صورة الاجتماع المبارك في الحسينيات هو الاهتمام بالنزاعات والخلافات، فهذا يضر بأصل الإحياء وبروحيته وبأثره، من هنا علينا أن نسعى إلى تعزيز قيم التعاون والتواد وحسن الظن والتراحم والإيمان بحرية الرأي والممارسات، فإن حضور كل شخص في الحسينيات في مواسم الإحياء هو بحد ذاته رسالة إعلامية تعبّر عن مضمون هذه المؤسسة المباركة.

يمكننا من خلال الاهتمام بهذه المؤسسات إدارة وارتياداً أن نوصل رسالة أهل البيت (عليهم السلام) إلى كل العالم بأبلغ المعاني، فإن الحسينيات مرآة الفكر والسلوك، وبيوت الله وبيوت المعرفة.

207797
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف