قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
ماذا تمثل القضيّة الحسينيّة؟

تأتي القضيّة الحسينيّة في مقدّمة الشّعائر الإلهيّة لأن عاشوراء هي أم الثورات الحقة في تاريخ الأمة، فمنها انطلقت المقاومة الداخلية ضد الطغاة، والمواجهة الخارجية مع الغزاة، بل كل ثورة بعد عاشوراء، وهي تمثّل أبعادًا مختلفة:

 

فالبعد الأول: بعدٌ يرتبط بشخصيّة الإمام الحسين عليه السّلام باعتباره إمامًا ربانيًّا وقائدًا رساليًّا معصومًا يمثّل تخطيطًا إلهيًّا مسبقًا، وضعه الله عزّ وجلّ له، كما وضع للأنبياء عليهم السلام تخطيطًا كانوا يقومون به وينفّذونه.

 

والبعد الثّاني: يرتبط بأهداف الثّورة الحسينيّة التي أراد الله سبحانه إرسائها، وتثبيتها بدم الإمام الحسين عليه السّلام المراق ودم العترة الطّاهرة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله والصّفوة المصفاة من أنصار دين الله الذين جسدوا أروع الملاحم البطوليّة الحضاريّة السّامية، وقدّموا الغالي والنّفيس في سبيل إنقاذ شريعة سيّد المرسلين والدّفاع عن عترته الطّاهرة عليهم السلام.

 

والبعد الثّالث: يرتبط بطريقة الإمام الحسين عليه السّلام في تحمّل مسؤوليّاته الجسام، والقيام بدعوته الرّساليّة المباركة واختياره للأوقات والأماكن وحتى المفردات وغيرها من قرار الثّورة وحتى التموّجات والتّداعيات التي كانت وصاياه عليه السّلام إلى أهل بيته عليهم السّلام وشيعته واضحة كلّ الوضوح فيها.

 

هذه الأبعاد تلامس وجدان النّاس وضمائرهم وقلوبهم باعتبار أنّ الثّورة الحسينيّة ذات قيمة إنسانيّة عالية المضامين تلامس وجدانهم وضمائرهم وقلوبهم، وأنّها رسالة جهاد وأخلاق وبناء على كلّ صعيد (دينيّ، أخلاقيّ، إنسانيّ، حضاريّ)، وعلى كلّ مظهر من مظاهر الممارسات البشريّة في المجتمع (تعليم وتعلّم، وعضّ وإرشاد، مواكب، تمثيل، رسم، تصوير...إلخ)، وكلّ جوانب اهتمامات وحاجات البشريّة.

 

فلم تكن الثّورة الحسينيّة لفئة دون أخرى ولا لجماعة دون أخرى (والتي يسمّيها أمير المؤمنين عليه السّلام بالخاصّة دون العامة)، وإنّما هي لجميع البشر في كلّ زمان ومكان لهدايتهم وإنقاذهم والدّفاع عنهم وعن مصالحهم وتعليمهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النّور، نور العلم، نور القِيم، نور العدل، نور حياة العزّة والسّعادة والكرامة والرّخاء.

 

فالثّورة الحسينيّة لامست في الدّرجة الأولى شغاف قلوب العامّة من النّاس، فتفاعلوا معها باعتبارها تمثّل ضمائرهم ووجدانهم وأهدافهم، وتدافع عن وجودهم ومصالحهم ومستقبلهم وبصائرهم، وهذا التّفاعل هو الذي عبّر عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله بقوله: "إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا" كما جاء في جامع أحاديث الشيعة، ج 12، ص556.

 

وكلّ النّاس - خاصّتهم وعامّتهم - يرتبطون بالإمام الحسين عليه السّلام باعتباره الإمام الرّبانيّ الذي عيّنه الله عزّ وجلّ، ليكون قائدًا يواصل ويتمّم المسيرة الإنسانيّة، ويرتبطون به باعتبار المبادئ والمُثل والقِيم والمنطلقات والأهداف التي عمل من أجل نشرها، وضحّى من أجل إقامتها، فمبادئه هي مبادئ جميع الأنبياء عليهم السّلام، ومُثله وقِيمه ومنطلقاته هي مُثل وقِيم ومنطلقات جميع الأنبياء عليهم السّلام، وأهدافه هي أهداف جميع الأنبياء عليهم السّلام ورسالاتهم.

 

فلا غرو أنْ يتحوّل الإمام الحسين عليه السّلام إلى ميزان للإيمان، وبهذا الارتباط الجماهيريّ العام للإمام الحسين عليه السّلام حوّل الناس ارتباطهم الشّخصيّ بالإمام الحسين عليه السّلام إلى شعائر عامّة يمارسونها، فلم يكتفوا بحبّهم للإمام الحسين عليه السّلام، وألمهم العميق لمقتله وإنّما عبّروا عن ذلك في ممارسات عفوية راسخة في أعماق المؤمنين جراء التعاليم الإلهية التي تحث على ضرورة الاهتمام بالشعائر بشكل عام والعمل الدءوب لأئمة أهل بيت العصمة عليهم السلام وحثهم ودفعهم للمؤمنين على تعظيم قضية الإسلام وقضية الثورة الحسينية المباركة خاصة بحيث برزت في الشّارع والسّوق والمأتم في صورة المواكب التي تخرج في كلّ مكان، ومن هنا فإنّ الإمام الحسين عليه السّلام هو الشّخص الوحيد بين جميع أولياء الله عزّ وجلّ الذي يخرج النّاس في يوم عاشوراء من بيوتهم إلى الشّوارع سواء كانوا في المدن الكبرى كنيويورك، ولندن، وبومبي وغيرها، أم في المدن الصّغيرة والقرى بهذا الحجم وهذا الشكل غير المألوف عادة، فلسنا وحدنا اليوم نحيي عاشوراء بل العالم بأسره يخرج يعزي رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن بن علي وباقي الأئمة عليهم السلام بمصابهم في الإمام الحسين عليه السلام.

 

فاليوم تخرج في يوم عاشوراء مسيرات كبرى في كل مكان بعشرات الألاف ومئات الألوف بل بالملايين، فمنها مثلاً:

 

في نيويورك موكب ضخم فيه أكثر من عشرة ألاف معزي يمشون على الأقدام حتى مبنى الأمم المتحدة في اليوم العاشر من محرم كل عام.

وفي لندن يسير 15 ألف معزي يمرون بأهم شارع في لندن بل في كل بريطانيا – شارع أكسفورد – من الهايد بارك إلى مركز السيد الكلبايكاني قدس سره.

 

وفي السويد باستوكهولم وفي درجة حرارة 16 درجة مئوية تحت الصفر أحياناً أو أكثر من ذلك يخرج أربعة ألاف رجل وامرأة من المسلمين يعزون أبا عبدالله عليه السلام ويلقون كلمات الرثاء وأشعار الرثاء وهؤلاء ممن دخلوا الإسلام بسبب الإمام الحسين عليه السلام والشعائر الحسينية حيث للحسين عليه السلام ولمراسيم عزائه دور كبير ومؤثر في إدخال المئات إلى الإسلام.

 

ولقد بلغ تأثير الشعائر الحسينية حداً عظيماً فهذا رجل استرالي من أصل يوناني، كان هذا الشخص متابعاً للأخبار وفي أحد مشاهداته رأى أول أربعين الإمام الحسين عليه السلام بعد سقوط الطاغية المقبور، رأى 7 ملايين شخص يفدون إلى ضريح الإمام الحسين عليه السلام، فأخذ يستفسر ويتقصى عن سبب تواجد هذا الجمع الغفير، و..الخ، حتى أدى ذلك لدخوله الإسلام واعتناق مذهب أهل البيت عليهم السلام.

207796
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف