قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
العلامة المحفوظ: علاج مساوئ الانفتاح لا يكون إلا بالمزيد من الانفتاح
العلامة المحفوظ
العلامة المحفوظ

الخطبة السياسية لسماحة العلامة الشيخ محمد على المحفوظ بتأريخ: 20/8/2010م بمسجد الزهراء عليها السلام ببني جمرة.

 

أولاً: حقيقة ما يحصل فعلاً في بلادنا هو نموذج لعدم الاستماع.

 

دائما يراد الاستماع من طرف واحد، وعليك أن تسمع ما نقول! فتعصر بلادنا هذه الموجات، هذا نموذج لعدم الاستماع وعدم التفاعل مع الآخرين والتفكير بصوت واحد وبطريقة وبصبغة واحدة، ولذلك تهب علينا هذه الموجات.

حذرنا دائما من تغليب الأمن على السياسة، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت نفسها في مواجهة الإرهاب، عندما زادت وتيرة الأمن أنطلق الناس والمفكرون والمراقبون فوازنوا الأمور، انه لا يمكن لبلد يدار بالعملية الأمنية خاصة حينما يكون هذا الأمن شكاكا ومتجاوزا ومتطاولا فيحصل ما يحصل.

 

في بلدان متقدمة يشتكون من تطاول الأجهزة الأمنية ويعتبرون ذلك تدخلا في الحريات الشخصية، مع أن هنالك أحزاب مراقبة وحكومات تداولية وانتخابات وصحف مستقلة وحرة لها سلطة كسلطة الحكومات في بلداننا، ومع ذلك يشتكون من الأمن!! إذن نحن ماذا نقول؟

تغليب الأمن على السياسة يعنى أن تموت البلد، فهل تتحدث مع رجل الأمن؟ فإذا تحدثت معه ضربك وقمعك باسم الحفاظ على القانون فكيف تشتكي عليه؟ وان رديت عليه رد لك الصاع صاعين وأصبحت متهما ومجرما ومخربا، وان سكت عنه فهذا يعنى أنك تركت المجال لهذه الإجراءات أن تطال البلد كله.

 

ولذلك فليس من العقل وليس من الفخر وليس من الذكاء والانفتاح أن يطلق العنان للأجهزة الأمنية، فحتى في الدول التي تحصل فيها مناكفات ونزاعات وصراعات فإنك تجدهم يجلسون إلى طاولة الحوار، في لبنان مثلا - وهى الدولة العربية الوحيدة المنفتحة مع كل مآسيها وكل مشاكلها - لكنهم نموذجيين مقارنة بالدول العربية الأخرى، ووصلت النزاعات والتراشقات هنالك فيما بين الأحزاب ليس بالكلام وإنما بالسلاح ولكنهم يجلسون مع بعضهم البعض على طاولة الحوار ويقولون دعونا نحل مشاكلنا بالسياسة، فهم قد تعلموا من الحرب الأهلية ومن الصراعات الداخلية والخارجية أن يجلسوا ويتحاوروا.

 

وهنا فى البحرين لا وجود للغة الحوار، وحتى البرلمان ليس طاولة للحوار وإنما حوار الطرشان!! فليس هنالك مجالا للحوار، فالقرار يأتي من طرف واحد وعلى الناس أن يقولوا سمعنا وأطعنا!!

قلنا دائما أن تغليب الأمن على السياسة ليس فقط لا يجوز وإنما هو دمار وخراب، فإلى أي نتيجة سوف نصل؟ فإذا كان لديك مبرر لكي تعتقل شخصا قد حرق إطارا، فما هو مبررك لكي تعتقل شخصية سياسية ودينية وهو شخص يعبر عن رأيه؟  فما هو المبرر القانوني لاعتقاله وبأي تهمة وتحت أي عنوان؟

وإذا تكلم أحد قيل له أن الاعتقال والسجن ينتظرانك، ثم ماذا بعد ذلك؟

السلطة لديها أمن وجيش وقرارات وإعلام وباستطاعتها أن تلغى العملية السياسية برمتها، ثم ماذا بعد ذلك؟

في التأريخ لم تسجل حالة واحدة أن الحكومات ألغت الشعوب، فالشعوب مكون رئيسي للأمم والمجتمعات، فلا يمكن إلغاؤها.

 

 

ثانيا: علاج مساوئ الانفتاح بالمزيد من الانفتاح.

 

إذا كنا نريد الانفتاح في البلد وديمقراطية حقيقة فينبغي أن نفتح البلد، وإذا حدثت مشاكل نقوم بالمزيد من العلاج للمشاكل، لا أن نقوم بإغلاق صحف ونحجر على حرية الرأي والتعبير ونوقف الأصوات المعارضة ونخاف من الانفتاح، وهذا هو معنى الديمقراطية، والديمقراطية بحاجة إلى تنازلات كبيرة من جميع الأطراف.

 

ولا يمكن توجيه الاتهام للشعب على أنه مجموعة قصر لا يفقهون قولا وأن الجرعة كبيرة عليهم وهم لا يتحملونها والحكومات هي الواعية والفاهمة، وقد رأينا أن الحديث عن الديمقراطية أصبح مجرد شعارات، وإذا كان الناس لا يفهمون الديمقراطية فهل الأسلوب الأفضل في التعامل معهم هو باستخدام سياسة العصا الغليظة، ولو كان إنزال العقوبات الشديدة بحق الناس هو الأسلوب الأفضل والأنجح لتعامل رب العالمين مع عباده كذلك، وهو الذي سبقت رحمته غضبه وهو الذي خلقهم وله الولاية عليهم ولتعامل الأنبياء مع أقوامهم بالشدة وقد أعطاهم الله الولاية في ذلك.

ولكن الله سبحانه لم يعط الولاية للحكام، والحكام يختلفون عن الأنبياء ويخطئ من يعتقد أن الحكام هم أولي الأمر ولهم شرعية، نعم لهم شرعية وضعية بحدود واضحة وضمن مظلة مراقبة الناس ورضاهم عنهم.

 

قد يستطيع الحاكم أن يملي هذا القانون بالقوة ولكن لا يعنى ذلك أن عليه أن يملي شرائع الدين!

في بلدنا انفتحت الأمور للإنصاف، لكن هذا الانفتاح له ضريبة وينبغي أن نسير باتجاه الانفتاح والى المزيد من الانفتاح، ولكن حينما يتذمر الناس فإن الحكومة تسعى إلى إغلاق كل شيء ولا تفرق الحكومة بين المجرم والبريء، يوجد لدينا في البحرين شبكات تهريب وترويج للمخدرات وهنالك رؤوس كبيرة، فلماذا لا يعتقل كل الناس بتهمة تهريب وتوزيع المخدرات؟

ولماذا يتم السكوت عن هذه الجرائم؟ فهل كل الناس متهمين بعملية التحريض والتحشيد والتعبئة؟ والبلاد تعانى من انتشار شبكات الدعارة والصحف تتحدث عن منافسات بين الفلبينيات والاثيوبيات، فهل الاتهام يصح أن يوجه لكل الناس بالدعارة؟! ولماذا في هذا الاتجاه يصبح الاتهام معمماً؟

 

كما لا يجوز لقوات الأمن محاصرة المناطق ومحاصرة الناس فى أرزاقهم وقراهم، فما الداعي إلى ذلك؟

هل من أجل أن يخضع الناس؟ فهل هذه سياسة أم عقل أم تجاوز؟

وكيف يتم اعتقال المواطنين من دون استناد إلى قانون وما هي تهمتهم؟

هل من أجل إرهاب الناس وإرعابهم وإخضاعهم؟!

وإذا خاف الناس وسكتوا فماذا بعد ذلك؟

 

ونحن أمام أعراف دينية في شهر رمضان وهو شهر المغفرة والرحمة والسكينة والاستغفار والتراحم والتزاور والتهاني، فإذا أغلقت أمام الناس هذه الحالة من التلاقي فهذه حالة غير طبيعية، فالحكومة خرجت على الأعراف الدينية وأمام الأعراف السياسية فالبلاد مقبلة على انتخابات فكيف نوتر الأجواء إلى هذا الحد وبعد ذلك نطلب من الناس التصويت والانتخاب؟!

فالناس محبطين، وهنالك فشل وعجز سياسي وقد تسمعون عن جمعيات سياسية وعن برلمان وعن انتخابات ولكن كل هذا كلام فارغ وليس له معنى.

 

متى يبدو الأمر واضحا؟ لماذا تحدث أزمة ولا يستطيع أحد أن يضع حلا للازمة!!

لأن كل القرارات والحلول بيد الدولة فأنت ترجع إلى من؟!

هذا يكشف عن حقيقة واضحة، فهل تريد أن تبنى دولة الناس ودولة القانون والمؤسسات حتى يكون الناس فى أمن وأمان واطمئنان واستقرار وتنمية وتطور، أم تريد أن تبنى دولة الأشخاص؟!

الجمعيات السياسية الست اجتمعت مؤخرا وليس بيدها حلولا، ومهما اختلفت مع هذه الجمعيات في الرأي والناس الذين هم خارج هذه الجمعيات ليس بيدهم حلول أيضا، والسلطة تقول أيضا أن لا حلول وانتظروا فترة الانتخابات ويمكن أن تتوقف الانتخابات إذا استمرت هذه الأزمة في هذا الاتجاه!!

 

وهذه الأزمة تكشف عن أزمة حقيقة ينبغي أن يلتفت إليها وأنه مع كل هذا الانفتاح الموجود يبقى هنالك خلل كبير في الواقع السياسي ولذلك لابد من تحكيم الدستور التعاقدي وبرلمان حقيقي ذا صلاحيات واسعة وتوزيع عادل للثروة، وأيضا أطلاق الحريات وشراكة سياسية حتى لما نواجه أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية تصبح لدينا خيارات لمعالجة القضية.

وفى الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغير سوء حالنا بحسن حاله وأن يفك قيد كل أسير ويرد كل غريب وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
207990
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف