قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
العلامة المحفوظ: ليست عزيزة الأرض التي يجور فيها أهلها على بعضهم البعض
الرسالي - محرر الشئون المحلية - « إبراهيم العرب » - 23-01-2010م | 2:27ص
العلامة المحفوظ - أرشيف

خطبة الجمعة لسماحة العلامة الشيخ محمد على المحفوظ

تاريخ: 22 يناير 2010م - مسجد الإمام علي عليه السلام - بنى جمرة.

 

القسم الأول: الجانب التربوي: إصلاح النفس أولاً.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصلاح مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ هود 88.

صدق الله العلي العظيم

 

الإصلاح هو أحد العناوين الكبيرة في الثورة الحسينية المباركة، وأحد المعالم الرئيسية لرسالة الإسلام، بل لرسالات السماء كما رأينا في دعوة نبي الله شعيب عليه السلام وكيف أنه تحدث عن معالم رسالته وحركته باتجاه الإصلاح.

فقد قال أمامنا ومولانا الحسين عليه السلام: "إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن قبلني بقبول الحق، فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين".

 

والحياة مبنية على الإصلاح حيث يقول ربنا سبحانه: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فقد خلق الله سبحانه وتعالى الأرض صالحة ولكن الإنسان لجهله وقصر نظره فإنه عاث في هذه الأرض الفساد، وحول الأشياء الجميلة إلى أشياء فاسدة، من بحر لوثه بالتفجيرات النووية، ومن بيئة خضراء ومن طقس ومناخ جميل حتى انقلبت الأمور ووصل العالم اليوم إلى الحديث عن ثقب في طبقة الأوزون وعن مشاكل الاحتباس الحراري وعن مشاكل التلوث وما حصل للبحار وللأراضي وللجو.

ولذلك فإن رسالة الأنبياء هي الإصلاح وذلك يرتبط بإصلاح النفوس وإصلاح الأفراد والمجتمعات ومولانا الإمام الحسين عليه السلام الذي هو وارث الأنبياء والذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله: "حسين منى وأنا من حسين".

قام بهذا الإصلاح لما رأى أن الأمور انحرفت بشكل كبير من خلال السياسات الفاسدة لبنى أمية التي تركت أثارها حتى يومنا الحاضر، فما نراه من فساد في عالم اليوم مرتبط بشكل كبير بفساد الحزب الأموي الذي عمل جاهداً على إطفاء نور الإسلام، وأحد العقبات الكبيرة التي تقف أمام الإصلاح هي العقد النفسية من تعصب وحالات جاهلية واستعلاء وظلم وإفساد وبطر ونظرة إلى الآخرين بنظرة دونية ولذلك نقرأ في التاريخ عن يزيد أنه طلب من واليه بالمدينة أن يأخذ البيعة من أهل المدينة كعبيد له، ورأينا كيف أن الأمويين قد عملوا على إفساد أخلاق الناس من خلال مظاهر الاستعلاء ومن خلال العقائد المنحرفة والفاسدة ومن خلال العمل على تقويض دين الناس حتى أن معاوية قال لأهل الكوفة: "إني لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا، واني لأعلم أنكم لتفعلون ذلك وإنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون".

 

نظام الإمرة وشراء الضمائر بالمال والمصالح والمطامع، ولذلك جاءت العصبيات والنزعات التي تحدث عنها الإمام الحسين عليه السلام: "إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً" لأن الفساد أنتشر في عهد يزيد بن معاوية من خلال السياسات التي عمل عليها الحزب الأموي حتى فيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فإن الفساد الأموي بدأ ينخر في المجتمع لتقويض عقائدهم وإخلاصهم.

ولذلك فإن الوصول للإصلاح يبدأ من تخليص النفس من عقدها الفاسدة، هذه العقد التي إن وجدت في داخل النفس فإنه من الصعوبة بمكان أن ينصلح الإنسان أو يتحدث عن الإصلاح وتبقى مجرد كلمات دعائية ولفظية ولقلقة لسان لا أقل ولا أكثر.

ولذلك من أراد إصلاح الآخرين وتزكيتهم فليبدأ بإصلاح وتزكية نفسه أولاً، لا معنى أن تتحدث عن إصلاح وأنت تمارس الظلم، لا معنى أن يتحدث أحد عن إصلاح وهو يمارس الاستعلاء والفساد، وهو يمارس حالة الاستعباد والاستئثار لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

لا يمكن أن تدخل الكلمات والشعارات في قلب أحد ما لم تكن هذه الكلمات نابعة من القلب، لكي تنسجم القلوب وتتفاعل مع بعضها البعض، كما أن الناس لا يمكن أن يتأثروا بكلام يتناقض مع الواقع، ولذلك من يتحدث عن صلاح الأمويين أو العباسيين أو الحكومات الجائرة فإنه من أولئك الذين أغدقت عليهم الأموال من قبل الحكام الظلمة، والإنسان الصالح يسير وفق سنن الكون على عكس الإنسان الفاسد وربنا عز وجل يقول: "ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ".

 

فالإنسان الصالح ينطلق من الصدق ومن العدل ومن الأمانة ومن المعاملة الطيبة ومن العمل الصالح بينما الإنسان الفاسد ينطلق من الكذب والدجل والتزوير ومن الانحراف والفساد ومن الخيانة وهكذا.

ومن هنا فإن إصلاح المجتمع مرتبط بإصلاح الفرد، أفراد صالحون يشكلون أرضية المجتمع الصالح وإصلاح الفرد يمر عبر تزكية النفس وعبر تصحيح المنطلقات وتصحيح المسارات وربنا عز وجل يقول: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.

فمن خلال الإيمان والعمل الصالح والتواضع، هذه العوامل لا تجعل الإنسان يرى نفسه أعلى من الآخرين، وتشكل الأرضية السليمة للانطلاق، من هنا فأن قضية الإمام الحسين عليه السلام تبقى مسلكاً أخلاقياً وروحياً ومعنوياً وتربوياً وسياسياً على مر الزمن، وينبغي علينا أن نحي هذه الشعيرة العظيمة بكل جهدنا وإبداعاتنا، لكي نصحح المسارات الفاسدة في أوساطنا ولكي نعمل على تغيير واقعنا إلى واقع أفضل.

 

القسم الثاني: في الشأن المحلي:

القضية الأولى: التطوير البترولي:

موارد الثروة النفطية التي لا توزع بشكل عادل ولا تصل إلى المواطن المنكوب في بلادنا إلا من خلال الاسم فقط ومن خلال الصور، فالناس يكدحون بجد في معامل تكرير واستخراج النفط، ولكن لا تنعكس هذه الثروة على الوطن إلا على فئة قليلة تستأثر بهذا المال، ومع أن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: "الناس شركاء في ثلاثة في الماء وفي الكلأ وفي النار" فإن هذا لا ينطبق على واقعنا.

فيستأثر الحكم والمتنفذون في هذا البلد بأموال النفط ويدور الحديث عن الحقل الذي يحفز الإنتاج للعشرين سنة المقبلة، فيتحدثون عن رفع إنتاج الحقل من 33ألف برميل يوميا في الوقت الحالي إلى 100 ألف برميل يومياً خلال السنوات السبع القادمة.

وحديث ولي العهد عن رفع الاقتصاد الوطني وعن تعزيز مصادر التنمية حديث جميل، ولكن هل سينعكس هذا الحديث على حال المواطن في بلادنا، فالناس لا ترى سوى الوعود والكلمات البراقة والشعارات الكبيرة، ولكنهم لا يرون لتلك الشعارات والوعود وجودا على أرض الواقع!!

وإنما معارض ومباني تقام هنا وهناك وعمارات تنشأ وقصور تشيد وجزر توزع وسواحل تدفن ثم توزع على أصحاب النفوذ والناس يسمعون تصريحات عن معالجة أزمة الإسكان والفقر وغلاء المعيشة، ولكن الوضع المعيشي وصل إلى درجة من السوء بحيث أن الناس ضجوا من هذا الواقع.

وارتفاع الأجور الذي تبشر الأيام القادمة بأنه سيدخل مرحلة تطبيقية، ومع كثرة التطمينات إلا أنه لا شيء يطمئن في هذا البلد، وفي كل قضية الناس بحاجة إلى اتخاذ موقف وخاصة فيما يرتبط بمسألة النفط، ويكتشف الناس بعد فترة طويلة من الزمن أن شركة الألمنيوم (ألبا) فقدت خلال العشرين سنة الماضية ثمانية مليارات دينار!

 

القضية الثانية: المجلس النيابي:

فالحديث الذي دار في المجلس النيابي حول سحب هبات الأراضي التي كانت ملكاً عاماً وهو كلام جميل وأحيي هذا النائب الذي اتخذ هذا الموقف بغض النظر عن المجلس الفاسد والمفسد، ولكنه موقف جميل أن يتحدث نائب عن استرجاع وسحب كل الهبات من الأراضي التي كانت للملك العام من سواحل وبحار وأراضى هي ملك عام للناس، وهذا الحديث جاء على ضوء التقارير التي تحدثت عن أن 90% من الدفان هو لأملاك خاصة وانظروا إلى المجلس الفاسد والمفسد فقد رفض رئيس المجلس تحت عنوان: "ليس من شيم العرب أن يتم استرجاع ما وهب" وهذه كلمة حق يراد بها باطل، فنحن مع الشيم العربية ولكن ينبغي أن نحكم ضوابط الإسلام والدين ونحكم أيضا القانون.

كيف أعطيت هذه الأراضي؟! ولماذا دفنت أساساً؟ هل لكي نوزعها على المتنفذين وعلى أصحاب الأراضي؟!

والغريب أن رئيس المجلس النيابي رفع الجلسة لوقت الصلاة، فهنا التزام بأداء الصلاة في أوقاتها وهو المطلوب ولكن ليس على حساب ضياع حقوق المواطنين، فانظروا كيف تدار الأمور في بلادنا؟!

 

فهل ينجح المجلس في هذه المعركة، وهل يمكن للمجلس أن يقود هذه الحملة بجميع أطيافه أو أنه سيبقى شاهدا على الزور؟!

لا ينبغي أن يبقى هذا المجلس شاهداً على الزور والتحريف والسرقات المستمرة، فإذا لم يستطع الإنسان أن يغير من واقعه شيئاً فإن عليه الهجرة لكي لا يكون شاهد زور ومعيناً على الظلم، فكيف وهو في مجلس يمرر هذه السرقات الكبيرة، فليس من شيم العرب وليس من قوانين الإسلام السرقة ولا خيانة المال العام وخيانة الناس وتوزيع الأراضي على المتنفذين وأبناء العائلة، ومن شيم العرب ومن قواعد الإسلام أن يتم استرجاع الأشياء المسروقة، فهل ينجح المجلس في معركته؟ فأنا لا أتصور ذلك والناس لا يعتقدون بذلك ولكن نأمل أن يحدث ذلك.

 

القضية الثالثة: تقييد الحريات:

تحدثت الصحافة خلال الفترة الماضية وهناك "انشغال وإشغال للناس وإشعال للإطارات" الموجودة لمناقشة ووضع قوانين مقيدة للناس، وليس الناس بحاجة إليها مثل انتقاد الدولة أو انتقاد مجلس النواب أو انتقاد الدستور والحديث عن إعدامات وسجن مؤبد وعن تخفيف هذه الأحكام إلى أقل من ذلك، فليس هناك معنى للحديث عن هذه القوانين وكأنما البلد ديمقراطي ومستكمل كل إجراءاته وكأنما العدالة متحققة في بلادنا ولم يبقِ إلا معاقبة كل من يستنقص ويسخر من المجلس النيابي أو من الدستور، فكأنما هناك عدل وتوزيع عادل للثروة وهنالك مساواة بين الناس وكأنما هناك إصلاح سياسي كبير.

والإسلام وضع قوانيناً، وطالما تنازل عن تطبيقها مراعاة لضعف الناس، والحكومة في بلادنا تضع قوانيناً لتقييد الحريات ولسجن الناس وإرهابهم، ولفتح المزيد من السجون والمعتقلات.

فبدلاً من التفكير في وضع قوانين مقيدة لحرية الناس، ينبغي التفكير في قضايا تخدم مصلحة المواطنين والوطن وينبغي أن نبحث عن حل لمشاكل الناس وعن معالجة أزماتهم الخانقة، فإن هذه القوانين الجائرة لا تبنِ وطنا، فلا يجوز مناقشة مثل هذه القوانين من قبل النواب.

فلا الدولة هي تشريع منزل من السماء ولا الدساتير هي تشريعات منزلة من السماء ولا الإطارات السياسية الموجودة هي إطارات منزلة من السماء، والله سبحانه وتعالى لم يتخذ إجراء على أحد عصاه.

 

والله لم يختص برحمته للمؤمنين وإنما وسعت رحمته الواسعة كل شيء في هذا الكون، صحيح أن الرحمة الخاصة هي للمؤمنين بطبيعة الحال ولكن وسعت رحمته كل شيء.

وفي الحديث الشريف: "خير البلاد ما حملك" ولسنا مع قول الشاعر:

بلادي وإن جارت عليٌ عزيزة                       وأهلى وإن ضنوا على كرام

فليست عزيزة الأرض التي يجور فيها أهلها على بعضهم البعض، فهذه الأوطان ينبغي أن تغير، فلماذا يتحدثون عن تغيير الدول وعن تداولية السلطة وعن أحزاب تتغير وحديث عن الديمقراطيات ما عدا بلداننا فكل شيء مقدس فيها، وهذا هو الفساد الكبير في مقابل الإصلاح وهذا أسوء من قانون الأحوال الشخصية، وهذه القوانين ضد الله سبحانه وضد الدين ولا يجوز مناقشتها وإن أدعو إلى استنفار الكل ضد هذه القوانين.

وهل لمجرد أنها شرعت ونوقشت في إطارات رسمية فاسدة فينبغي على الناس الخضوع لها والإذعان إليها والتسليم بها تسليماً مطلقاً، بينما لا يتم تطبيق الأحكام الإلهية على الخمور والفجور والمفاسد وشركات الخمور والدعارة، الحكومة تنشر الفسق والفجور في بلادنا ثم يحكمون الشخص شهراً واحداً أو أسبوعين وربما لا يدخل السجن أصلاً، ومن ينتقد قوانين وضعية يهدد بالسجن، فأنا أدعو العلماء والنواب والمحامين والجمعيات السياسية والدينية أن تقف وقفة رجل واحد ضد هذه القوانين التي ما أنزل الله بها من سلطان.

 

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين.
207990
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف