قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
المساواة في ظل دولة القانون والمؤسسات

دائماً ما كانت قضية المساواة بين الناس عبر العصور تمثل تحديا كبيراً أمام المجتمعات البشرية حيث أن المشكلة تكمن عندما يعطي البعض من الناس لنفسه الحق أن يتميز على الآخرين من أبناء مجتمعه أو الناس بصورة عامة، وقد يجعل لذلك غطاءً وتبريراً من خلال الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وهكذا ومن الطبيعي أن تؤدي هذه النظرة في التمايز عن الآخرين إلى حالة من التفضيل والتمسك بالامتيازات والخصوصيات التي تعطيه الحق في الاستئثار والهيمنة والاستفراد التي يراها البعض حقا طبيعياً وربما مشروعاً وهو ما أدى إلى نشوء حالات من النزاع والتصادم وعدم الاستقرار في كثير من المجتمعات التي عانت من هذه الحالة.

 

وحاربت الأديان السماوية هذه النزعة البشرية السيئة واعتبرتها حالة سلبية من شأنها أن تؤثر على البناء الاجتماعي والاستقرار البشري، وفي قبالها رسخت المفاهيم الدينية الحالة الأخلاقية والسلوكية التي تدعوا إلى النظر للناس من خلال نظرة إيجابية تقوم على أساس التعارف والتواصل والاحترام بدلاً من الشك والريبة والخوف، وفي هذا الشأن يطرح القرآن الكريم رؤية سامية ومتقدمة في بناء نمط راق من التفكير فيقول ربنا عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات : 13]، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "خطابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أوسط أيام التشريق خطبة الوادع فقال: "يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم"". وجاء في الحديث الشريف المروي عن الرسول الأكرم سيدنا محمد "الناس سواسية كأسنان المشط" ولم يكتف الرسول الأكرم بتوجيه الناس من خلال الآيات القرآنية المباركة والأحاديث النبوية الشريفة وإنما عمل على تحقيق ذلك من خلال الممارسة في أوساط الناس فكان الرسول الأكرم يجلس كبقية الناس ويعيش كالآخرين لا يميزه شيء حتى قالوا فيه "كان فينا كأحدنا" وكان رسول الله نموذجاً فريداً في التواضع وتطبيق المساواة مع أبسط الناس في المجتمع وأضعفهم وأفقرهم.

 

وساهمت التطورات الاجتماعية والسياسية بعد عقود من الصراع المرير من أجل تحقيق المساواة في تقديم الكثير من النظريات والأطروحات التي تدعوا إلى تحقيق المساواة واعتبارها ركناً أساسياً في بناء المجتمعات الحديثة وعنصراً ضرورياً من أجل بناء الدولة الحديثة المعاصرة التي ترى حق الناس في أن يعيشوا في حالة من المساواة والتكافؤ في الفرص واعتمدت الدول المعاصرة في ذلك المساواة كمادة رئيسية في دساتيرها وجعلت ذلك من مظاهر التميز في سياساتها وإعلامها وبرامجها على طريق التنمية والنهوض بمجتمعاتها وقد يكون من الصعب أن لا تجد دستوراً لدولة متقدمة أو حتى متخلفة لا يتبنى قضية المساواة كمادة رئيسية في بنوده.

 

ولكن المشكلة تكمن دائماً في التطبيق العملي على أرض الواقع وهنا يتضح الفارق بين دول متقدمة قطعت شوطاً كبيراً في طريق تحقيق المساواة وبين دول أخرى لا تزال تراوح مكانها، إذ لا يكفي التظاهر بشعارات المساواة بين المواطنين ما لم يلمس الناس هذا الأمر ويتحقق ذلك في تلمس الدولة لقضاياهم وحاجاتهم ذلك أن دولة القانون والمؤسسات تقوم على مبدأ تساوي المواطنين جميعاً من دون استثناء أمام القانون في الحقوق والواجبات وإلا فقدت قيمة المساواة في المجتمع وهو ما يؤدي إلى نشوء الطبقية والاستئثار والهيمنة، وعلى الرغم من أن الدستور البحريني واضحاً في التعامل مع هذه القضية وقد نصت مادته الثامنة عشر على تساوي المواطنين لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة إلا أن الناس يرون أن هذا الأمر في كثير من الأحيان هو مجرد حبر على ورق عندما يرتبط الأمر بالتطبيق على أرض الواقع، وقد كشفت الكثير من التقارير والحقائق هذا الأمر عندما تم الحديث واستعراض حقائق مذهلة فيما يرتبط بالسيطرة والتصرف بأملاك الدولة وتملك السواحل القديمة والجديدة ومسالة السيطرة على أراضي البلد ومسالة ضعف الأجور وتدني الحالة المعيشية عند الناس وقضية التمييز في الوظائف والامتيازات والحديث يطول، ولو كان الأمر مجرد ادعاءات ليس لها دليل لكان الأمر مختلفاً ولكن المدهش في الأمر أن هناك أدلة دامغة من الحقائق بالأرقام والوثائق كشف عنها أعضاء المجلس النيابي معارضة وموالاة حتى لا يكون هناك شك في تحيز البعض أو تشدده إضافة إلى ما كشفت عنه الصحافة في تقارير متعددة بين فترة وأخرى.

 

إن دولة القانون والمؤسسات تعمل على احترام حق الناس في الحياة أعزاء في ظل حياة حرة وكريمة فلماذا نجعل الناس ضعفاء لا حول لهم ولا قوة ولماذا نجعل الناس يتسولون و"يستجدون" عيشهم وسكنهم بينما الأراضي موجودة والأموال متوفرة ولماذا نجعل الناس يزحفون على ركبهم استجداء لمسكن أو للحصول على وظيفة أو وراتب مجز يضمن للناس عيشاً كريماً وعزيزاً، إننا بحاجة لقيام الدولة التي يفتقدها الناس في حياتهم اليومية ويفتقدها الوطن في نهضته وتنميته بحاجة لدولة القانون والمؤسسات ليس في الدساتير فحسب وإنما على أرض الواقع والتطبيق.

والله من وراء القصد.
212737
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف