قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
في لقاء مع المعتقلين بمجلسه
العلامة المحفوظ: اجعلوا كرزكان قلب الحدث
سماحة العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
سماحة العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ

بسم الله الرحمن الرحيم

(أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون)

صدق الله العلي العظيم

 

أيها الإخوة الكرام

 

السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

 

أوصيكم بثلاث وصايا: الدين، تحمل المسؤولية، التغيير.

 

أولاً: ليكن منطلقكم للعمل والتحرك هو الدين:

 

لا ينبغي أن تستصغروا قضيتكم، و تنظروا إليها من الجانب السياسي فقط فالسياسة مداها قصير و فيها عثرات ومطبات و حتى النجاحات فيها قد تكون ملوثة، لابد أن تنظروا إلى قضيتكم  من زاوية دينية، الإمام الحسين قال: (نصبر على بلائه فيوفينا أجور الصابرين)، أنظروا إلى قضيتكم من خلال ما ضحيتم به و صبرتم عليه وما قدمتموه هو من أجل الدين و من أجل الحق. والحمد لله بعد ما أصبحت القضية بعيدة عن التجاذبات السياسية،

ونجاح قضيتكم  كان نتيجة لصبركم و صمودكم في السجن و نتيجة لحركة الآباء والأمهات والأهالى المظلومين ولهم الدور الكبير في تجاوز المحنة يمثل صورة متقدمة من التحرك و النشاط السياسي، و دائماً ما كان الأهالى يشيدون بصبر المعتقلين و يقولون أن صبر أبنائنا المعتقلين هو الذي يحفزنا و يشجعنا على الاستمرار في المطالبة بهم.

 

قلت سابقاً لأهاليكم "ما لم يحصلوا عليه بالتعذيب لا تجعلوهم يحصلون عليه بالسياسة"، و قد يقضي المؤمن من عمره عشر أو عشرين سنة في السجن وهي فترة مؤلمه على قلبه و قد يفقد حياته في السجن أو تحت التعذيب وهى مؤلمة أيضا (إن تكونوا تألمون فأنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون).

 

و دائما نجعل منطلقاتنا في العمل منطلقات دينية لأن هذا يعطينا أفق أوسع، و لكي لا تصبح قضايانا مرتبطة بالظروف الآنية، فالدين يطالب أتباعه و يحملهم المسؤولية بأن يطالبوا بفك كل أسير و الوقوف مع كل مظلوم (كونا للظالم خصماً و للمظلوم عوناً) حتى و لو كان ذلك السجين لا يقرب إليك أو لا تعرفه.

 

فالدين يعطيك مساحات أوسع لكي تتحرك فيها و مفردات مثل: الحق، الأمانة، الصدق، المسؤولية، الوفاء، العهد، وإذا كانت المنطلقات والدوافع دينية فرب حركة دينية صادقة يقوم بها الفرد المؤمن  فيكتب لها الله عمر مديداً فتبقى، و لذلك تجدون أن أصحاب السياسة حينما يموتون ينتهون و لكن أهل القيم و المبادئ حينما يموتون يبقون. ولو كان هنالك شخص مظلوم وكان مغموراً بين الناس ثم مات بعد ذلك فسيأتي يوم يتذكره الناس لأنه من تواضع لله رفعه، و لذلك زاوية المنطلق الديني لابد أن نكرسه في نفوس الناس، وأنتم الآن شكلتم نموذجاً يحتذى به (إنهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدى).

 

أحملوا الدين في قلوبكم، و أنا قلت سابقا لإخوتكم "أجعلوا كرزكان قلب الحدث" ولا يعنى ذلك بالسياسة وإنما بالتدين الأصيل والذي حرككم و دفعكم للمطالبة هو قوة الدين، وبلادنا كما تحدثت بعض التقارير مصنفة عالمياً كعاشر دولة من دول الخطايا، واليوم هناك أحاديث تتداول بين الناس عن نائب في البرلمان متهم بإدارة شبكة دعارة، والسياسة قد يكون فيها مد وجزر ولكن الدين ليس فيه مد وجزر، وإنما دائماً فيه مد في صلاتك وفي دعائك وفي حركتك والدين ليس فيه تقاعد (وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، مسلم بن عوسجة كان شيخاً طاعناً في السن وكان يربط حاجبيه لئلا يسقطا على عينه وكان محدودب الظهر فكان يحزم ظهره لكي يستطيع الوقوف مستقيماً، ولكنه كان يقاتل و يجاهد بين يدي أبى عبد الله الحسين حتى أستشهد.

 

فإذا ربطنا أنفسنا بحركة الدين فلا تهزنا المتغيرات ولا تؤثر فينا المطامع والمكاسب وشعب البحرين ينبغي أن يكون مصداقاً للآية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فإذا أردنا أن نغير ينبغي أن نغير انطلاقاً من الدين ولابد أن ننظر إلى الدين في داخلنا هل هو من يقود تحركنا و نشاطنا السياسي وهل هو المهيمن على سلوكنا ونمط تفكيرنا فإذا انطلقنا من الدين فسنعرف مزالق السياسة، فالشعب مقسم إلى فئات وأحزاب وكل رجل مشغول بحزبه و بجماعته. و أنت أمام واقع سياسي لا تستطيع تسمية شارع أو مدرسة أو مستشفى باسمك أو اسم قريتك وهو ممنوع عليك، بينما البعض يملك البر و البحر والجزر!، كل ذلك لأننا مقسمين، في داخلنا تعشعش حالة من الفئوية وحالة من الأنانية والإقصاء.

 

صحيح أن هنالك تباين في وجهات النظر وهو أمر طبيعي، لكن على هذا المجتمع أن لا يحمل نفساً وروحاً فئوية، هذه الروح الفئوية والحزبية لابد أن نتخلص منها ولذلك لابد أن نفكر أن هذا مواطن مظلوم فأدافع عنه و ليس لأنه أبنى أو أخي أو صديقي أو من قريتي، والإمام علي قال في وصيته للحسن والحسين عليهما السلام: (كونا للظالم خصماً و للمظلوم عوناً) أنظروا من دون تقسيمات ومن دون عناوين، والإمام عليه السلام طلب من أبنائه أن لا يروعون سجينهم عبد الرحمن بن ملجم (لعنه الله) وأوصاهم أن يسقونه من شرابه ويطعمونه من طعامه وهو قاتله لكي لا يُظلم. وقال لهما أيضا (ولا تمثلوا بالرجل) ونحن نمثل ببعضنا البعض ونقسم بعضنا بعضا مئات المرات، ونحن بإمكاننا أن نجعل من قضية كقضيتكم القضية الأم، ومن أعظم المصائب لدينا إذا أعتقل شخص منا فإننا نسارع بالتشكيك في قضيته ولا نشكك في الجهة التي اعتقلته وسجنته وظلمته.

 

ثانياً: تحمل المسؤولية:

 

الظاهرة المتميزة في قضية معتقلي كرزكان وقوف النساء إلى جنب الرجال في المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، فكانت النساء تشحذ همم الرجال وتدفع أزواجهن وأبنائهن للمطالبة بحريتهم، وشاركنا سابقاً في ندوة بكرزكان ورأينا أن من قرَأت بيان الاهالى كانت امرأة، وهذا يعتبر تميزاً في الحركة المطلبية. مع ذلك لا يجعل الإفراج التحرك يكون عكسياً فتتراجع المرأة وتعتقد أن المسيرة انتهت فالمسيرة لم تنته بعد!.

 

المسؤولية لا تتوقف عند الإفراج عن المعتقلين، وربما يقول البعض نحن تحملنا سجن و فراق 18 شهراً وهذا صعب جداً، ولكن لو اعتقل شخص أو مجموعة من منطقة أخرى فماذا ستفعل أنت؟ وهل الروح التي لدينا تجاه المطالبة بالآخرين ستكون ذات الروح حينما يعتقل أبناؤنا؟.

نعم، إذا أصبح لدى الشعب مثل هذه الروح الايجابية ولا يسمح لنفسه أن يتوقف فبإمكانه حينئذ تغيير الواقع إلى الأفضل.

 

نحن لابد أن يكون لدينا عطاء متواصل لمن أراد أن يعمل دينياً ولكن سياسياً البعض يبحث عن مكاسب وغنائم، ولكن الذي يعمل للدين يقول كما قال الإمام الحسين: (إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى) ولا يكون هذا الانجاز الذي حصلنا عليه بفخر وعزة وكرامة نصرفه في سوق السياسة. انظروا حكم البراءة لابد أن يحمل في طياته حكم إدانة ومن هو القاتل؟، أو أن المسرحية كلها كذب، والمشكلة أن من عمل المسرحية ليست عائلة الشرطي ماجد أصغر  وإنما هي وزارة الداخلية وعملت معها وزارات مثل الإعلام والعدل وغيرها، وبعد ذلك براءة وتبين أنها كذبة كبيرة وتسببت في وجود حالة من الاحتقان والاصطفاف الطائفي و ما حصل من المسئول عنه؟

 

ثالثاً: التغيير:

 

إذا كنا فعلاً نريد التغيير فهذه الـ 18 شهر التي عاش فيها المعتقلون وأهاليهم من معاناة ولو حكم على الإخوة بالسجن أو بالإعدام لقال البعض دعونا نطالب بالتخفيف عنهم لأن هنالك احتمال أنهم قتلة.

أنتم الآن أحرار و هذه الحرية كيف نتلمسها؟

نتم صنعتم الفارق، فهل تصنعون الفارق مرتين؟

تستطيعون فعل ذلك و ممكن البعض ينضم إليكم والبعض الآخر يتراجع، ولا تجعلوا ما حصل لكم كأنه فات ومات، وليس مهماً أن نملك السلطة ولكن المهم أن نكون أحراراً في داخل نفوسنا.

 

في الختام، أجعلوا هذه الأمور الثلاثة نصب أعينكم:

الدين، تحمل المسؤولية، التغيير.

 

فنخرج من حالة الفئويات ونصنع تأريخ الشعب القائد، لأن لدينا دائماً أزمة القيادة و من هو القائد، لنجعل الشعب هو القائد، لابد أن يكون هذا المجتمع مجتمعاً ربانياً وأنتم قطعتم نصف الشوط وبقى عليكم التحرر من الأغلال والقيود النفسية، ووجدنا أن فئة قليلة مؤمنة متماسكة وصابرة من كرزكان استطاعت أن تصنع الفارق.

أنتم شرفتم المجتمع البحرينى بصبركم وتظافر جهودكم وبإذن الله سيكون لكم وسام وأجر وذهب العناء وبقي الأجر، وهذا الأجر عليكم مضاعفته.

213065
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف