قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
الناس أو الدولة

يشكل غياب الدولة حالة من القلق من السهل أن تنعكس على الواقع الاجتماعي والاقتصادي وتربك الواقع السياسي الذي يظل في حالة من التجاذبات والمناكفات التي تأخذ طابع الديمومة والاستمرار حتى تكاد تبدوا وكأنها قدر لازم أو حتمية لا بد منها ولا فرق بين غياب الدولة أو وجود دولة ضعيفة أو فاشلة حيث أنها تشكل العامل الرئيسي للكثير من المشاكل اليومية للناس الذين يتوقعون حل مشاكلهم وأزماتهم ولكن انتظارهم يطول من دون جدوى أو حلول حقيقية وهذا ما يدفع الناس للتذمر والسخط وربما يصل الأمر بالبعض من الناس إلى حالة من الإحباط تصل إلى حد أنهم لا يثقون بالسلطة أو الدولة.

 

من هنا تبرز أهمية بناء الدولة القادرة على بناء الثقة عند الناس من خلال حضورها القوي في حياتهم وذلك بالعمل على معالجة قضاياهم ووضع الحلول لأزماتهم وتحقيق أمانيهم وتطلعاتهم من خلال الانجاز والتحقيق على أرض الواقع من دون الحاجة للاختفاء وراء الشعارات أو الوعود البراقة فتتعزز الثقة إلى درجة كبيرة من الانسجام الذي يولد الإبداع على كل صعيد فيرى الناس في الدولة حاضناً ورافداً وحافزاً، وهذا يدعونا للبحث في مناخات التغيير الحقيقية التي تحمل معها الأمل الذي ينتظره الناس وهذا يقودنا إلى مجموعة من القضايا المهمة التي ينبغي الالتفات إليها:

 

أولاً: إن العامل الأساسي في بناء أي مشروع هو نوعية الثقافة التي يتأسس عليها ذلك المشروع وعليه فإن بناء الدولة بحاجة إلى ثقافة حية تنطلق من منظومة القيم السامية دينياً وإنسانياً حيث كرامة الإنسان وحقه الطبيعي في الحياة الحرة الكريمة من دون تمييز أو تفاضل إلا من خلال العمل والعطاء والكفاءة وليس من خلال عصبيات أو أهواء تجعل الناس بعيدين عن بعضهم البعض وتصنع الحواجز المادية والمعنوية بينهم فتتشكل جدرانا عازلة لا يخترقها النظر أو السمع وتتحول فيها الدولة إلى حالة أشبه "بالمافيات" التي تتصارع على مواقع النفوذ والسلطة والمال ويضيع فيها المواطن البسيط.

 

ثانياً: إن الدولة تتشكل من مجموعة من القوانين والضوابط والتشريعات والمؤسسات التي تنظم حياة الناس ومعاملاتهم وتعالج قضاياهم ولكنها في نفس الوقت ينبغي أن تستوعب الجميع من دون استثناء فلا يمكن بناء دولة قادرة وقوية في ظل تمييز عرقي أو مذهبي أو فوارق طبقية فاحشة فتتقسم المؤسسات والإطارات والكيانات إلى ملكيات خاصة وتقوم الواسطة والقرابة والنسب والمحسوبيات محل الكفاءة والعلم والمعرفة ويتحول الولاء من القيم إلى المسميات والأشخاص وتتحول القوانين إلى آلة عمياء تطبق في مكان بينما لا يوجد لها أي قيمة في مواقع أخرى وتتحول المعايير بقدرة قادر من النظام والحق إلى حالة الفوضى والتخبط.

 

ثالثاً: إن بناء الدولة يقوم على التقريب بين الناس والعمل على زيادة مساحة التواصل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بينهم حيث أن الدولة القادرة هي التي تعمل جاهدة على إسعاد الناس وتحقيق طموحاتهم من خلال عيش مستقر وتواصل قائم على المحبة والاحترام من خلال اعتماد معايير صالحة ومقومات متينة في بناء الدولة تؤدي إلى التنمية والبناء فلا تتقسم البلاد والعباد بشكل يؤدي إلى تقسيم الناس على أساس الطائفة أو المذهب أو الانتماء أو العرق أو ما أشبه وهو ما يؤدي إلى خلق مساحات شاسعة بين أناس يعيشون على مسافات متقاربة جغرافياً وحسابياً ومادياً ولكنها بعيدة كل البعد على الصعيد المعنوي والنفسي.

 

رابعاً: إن الدولة مهما بلغ حجمها ومكانتها فهي أقل وزناً وقيمة من أي إنسان في المجتمع بل إن قيمتها تكمن في نظام اجتماعي وسياسي تعاقد عليه الناس لخدمتهم وتحقيق مصالحهم جميعا بلا استثناء ولذلك فإنه ليس من المنطق ولا من العقل أن تتحول الدولة إلى أمر مقدس قبال الإنسان الذي كرمه ربنا عز وجل حيث يقول: "ولقد كرمنا بني ادم..." ولذلك فإنه من البديهي أن تكون الدولة كنظام سياسي واجتماعي في خدمة الناس وإلا فقدت أساس وجودها وفلسفة بناءها وهذا ما يدعوا إلى التفكير الدائم في تطوير الدول أنظمة وقوانيناً وتشريعات سياسية واقتصادية بما يخدم مصالح البلاد والعباد.

 

هذه الأمور هي مجرد استثارات عقلية نحن بحاجة إليها إضافة مع ما يطرح من قبل الآخرين على الصعيد النظري والعملي لكي نرتقي بواقعنا الصعب والمتخلف في زمن معقد علينا اللحاق به حتى نكون ضمن دائرة الحضور على الأقل حتى لا نبقى رقماً قد يعتني به من قبل الآخرين.

والله من وراء القصد.
212737
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف