قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
أما آن لفجر "الكلمة" أن يبزغ!

لعل من أرقى القيم التي أسس لها الإسلام منذ نزوله كتشريع إلهي هو الحق في الكلمة والرأي والتعبير، وهو جزء من منظومة قيمية أوسع تثّمن المعرفة والعلم وحرية الاختيار بعيداً عن أي قمع أو قهر أو أي نوع من أنواع الضغوطات ولاشك أن نزول أول آية  في شأن المعرفة هو أقوى برهان في قوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [العلق : 1] لتعزيز دور القراءة والثقافة والفكر ولما للكلمة من تأثير في حياة الناس بل إن القران الكريم يقسم بالقلم والكتابة في تعظيم رائع ومعبر عن أهمية هذا الدور في حياة البشر فيقول ربنا عز وجل: “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” [القلم : 1]وفي حديث جميل للرسول الأكرم نبينا محمد:"ثلاثة تخرق الحجب وتنتهي إلى ما بين يدي الله عز وجل صرير أقلام العلماء، ووطئ أقدام المجاهدين، وصوت مغازل المحصنات".

من هنا فإنه  لم يكن عبثاُ استمرار الرسول الأكرم في تبليغ رسالته من خلال أبسط القنوات والوسائل المتاحة التي إن صنفت حاضراً فهي لاشك تعتبر من وسائل الإعلام البسيطة ولكنها من أرقى أساليب العمل والدعوة والتأثير، خاصة عندما نرى استمرار الرسول ومواصلته لنشر دعوته ومن بعده ذريته الطاهرة وأصحابه المنتجبين في نشر الإسلام وقيمه وتعاليمه من خلال قوة وعظمة وبراعة الكلمة في مجتمع يرفض المختلف والآخر وإن كان حقاً ويعيش حالة حادة من العصبية مثل مجتمع قريش أو المجتمعات الأخرى، إنما جاء هذا الجهاد الشاق والصعب من أجل بناء وترسيخ حقوق منحها الله عز وجل لكل فرد بغض النظر عن مذهبه وعرقه ولسانه....إلخ، وليس للبشر أي سلطان عليها، وقد قام الرسول الأكرم بدوره بصورة تثير الإعجاب وتدعوا للتأمل والتقدير وهي قضية بحاجة إلى الاقتداء والتأسي خاصة إذا عرفنا أن الرسول الأكرم شرع منهاجاً سامياً في طريقة التعاطي مع الآخر حتى في معتقداته فقد رسم القرآن الكريم صورة للتعاطي حتى مع أشد المعاندين والكافرين فقال ربنا عز وجل: "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، ولَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد، ولَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" [الكافرون : 6]".

ومع أن الرسول هو أولى بالمؤمنين والمسلمين من أنفسهم ومع أن الله اصطفاه مكاناً علياً لا يرقى إليه أحد من البشر حتى الأنبياء إلا أن القرآن يعطى صورة معبرة في طريقة التعاطي مع الناس فيقول ربنا عز وجل "َذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ" [الغاشية : 22]" بل ويدعوا المشروع الإسلامي في الدعوة والإعلام وبناء المعرفة والوعي إلى انتهاج الحكمة في التعاطي بدلاً من الاستعلاء والفرض فيقول ربنا عز وجل" "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" ومرة أخرى يقول ربنا عز وجل: "وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"[النحل : 125].

إننا عندما نتحدث عن هذه الرؤية السامية التي يتبناها المشروع الإسلامي الحضاري فلأننا بحاجة إلى  رؤية لكل مشروع نريد القيام به فبدلاً من التخبط يميناً وشمالاً وإتباع الأهواء ورسم سياسات بعيدة كل البعد عن الواقع ومناقضة لكل التطلعات السليمة لبناء واقع متقدم ناهض يؤمن بالحق محوراً وفكراً وأداء وسلوكا فإن علينا أن نتبنى المشروع الأنجح والأكمل لخير الورى وسيد المرسلين نبينا محمد في صياغة مشروعنا الإعلامي وحيث إنه من البديهيات أن كل مجتمع ينشد التغيير من أجل الأفضل هو في حاجة إلى فترة زمنية طويلة تعطي هذا المجتمع المرونة من أجل استيعاب هذا النوع من التغيير والتكييف معه. منذ نزول الإسلام حتى يومنا هذا هناك ما يقارب 1400 سنة مع الوضع في الاعتبار أن الإسلام ظهر في قلب الجزيرة العربية وبلسان عربي فصيح وجاء بمنظومة قيم وقوانين غاية في الكمال ترتقي بالفرد وعليه بالمجتمع وعلى رأسها حرية الكلمة، أما آن لشعوبنا آن تمارس هذا الحق بعد مرور حقب زمنية جاوزتنا خلالها ثقافات وشعوب أخرى ما كان لها سبيل في تشريع هذا الحق إلا بالأنظمة الوضعية، فما بال من يمتلك المعتقد والمذهب الذي يشرع هذا الحق خصوصا وأن هويتنا تُعرف "بالدول العربية الإسلامية".

إن مستوى الحرية في بلد معين يقاس بالحرية المسموح بها  لوسائل الإعلام داخل هذا البلد، ولعلها من المفارقات الخرساء أن نعقد مؤتمرات وندوات ومهرجانات احتفاءً بحرية الإعلام في الوطن العربي في غياب الشرط من أساسه! فالمنطقة العربية بدون استثناء لازالت حتى يومنا تصارع في وجود أنظمة "لازالت" تؤمن بالقيد  بخصوص حرية وسائل الإعلام بعبارة أخرى لا وجود "لحرية الكلمة"  فنحن نسير على عكس التيار هنا يوجد رجم وخنق وتكميم للكلمة، وهذا إن دل على شيء فهو ولا شك أبعد ما يكون عن الحضارة والتقدم وأشبه ما يكون بالتخلف بل هو الرجعية بعينها، وقد يكون من المعيب في زمن العولمة وانتقال المعلومات في لمح البصر من موقع إلى آخر والشبكات العملاقة على "النت" والفضائيات العابرة للقارات وفي زمن تحول فيه العالم إلى قرية كونية صغيرة وربما أصغر من ذلك أننا لا زلنا نناقش لكي نقر قانوناً هل يسجن الصحافي والكاتب أم لا؟ أوليس هذا ما يدعوا إلى الدهشة وإلى البكاء أو الضحك خاصة أن القانون في بلداننا حتى ولو أخذ جانباً إيجابياً فإن أول من يكسره هم واضعوا القانون أنفسهم.

والله من وراء القصد.

310061
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف