قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
بين "تبييض" المال و "تبييض" الوطن

من الطبيعي أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه في بلادنا من تفشي فاحش في الفساد السياسي إلى درجة أن يتم الحديث عن اتهامات حكومية ترتبط بتورط وزير في الحكومة بالعمل على تبييض أموال كبيرة واتهامات أخرى ولا يعتبر ما حصل مفاجأة للمتابعين والمراقبين للوضع العام في البحرين إلا في الخطوة التي تم فيها التعامل مع القضية حيث انه لأول مرة يتم الحديث عن فساد في داخل الحكومة ويتم إجراء بإعفاء سريع للوزير من منصبه ولكن ما حصل هو أمر طبيعي لفساد استشرى في معظم مفاصل البلد طال البر والبحر والمال في المرافق العامة والخاصة ونظراً لتعقيد الواقع السياسي وعدم وجود إطارات فاعلة تمتلك القدرة على مواجهة هذا الفساد حتى أن المجلس النيابي الذي كان من المفترض أن يقوم بهذا الدور بدا عاجزا أمام طوفان الفساد الذي اغرق البلد ودمر أحلام المواطنين وإلا فكيف يعقل أن المجلس النيابي الذي يتحدث عن تجاوزات الوزراء والحكومة وينادي بضرورة استجواب الوزراء ومحاسبتهم ومع انه يمثل السلطة التشريعية ليس له حول ولا قوة بينما بقدرة قادر يتم التعامل مع احد قضايا الفساد بطريقة القفز على المجلس النيابي وكان لا وجود له إلا بالاسم والصورة فقط ثم أليس من المستغرب أن يتم اكتشاف قضية "تبييض الأموال" وما تبعها من ادعاءات بربطها بالسلاح والمخدرات ودول أجنبية ومع أنها قضية معقدة وشائكة فقد تم متابعتها ومراقبة الأمور بدقة خلال السنوات الماضية كما قيل ولكن كيف لا يمكن اكتشاف قضايا أوضح من ذلك بكثير في بلادنا التي تعاني من ليس فقط "تبييض" الأموال وإنما تعاني البلد من "تبييض" الأراضي والسواحل إلى درجة انه لم يتبق من سواحل البحرين للمواطن سوى 3% ولم يتبق من أراضي البلد شيء يمكن لوزارة الإسكان أن توزعه للناس المنتظرين لبيوت الإسكان التي وصلت إلى أكثر من 47 ألف طلب إسكاني ناهيك عن الهدر الفاضح للمال العام في مرافق مختلفة واختلاسات ومع ذلك يستغرب المواطن البحريني كيف تعجز الأجهزة عن اكتشاف هذا "التبييض" الفاحش إلا إذا كانت هذه الأجهزة مصابة بقصر في النظر فلا تستطيع التمييز بين تبييض وآخر.

 

إنها أمور محيرة حقيقة في واقعنا المؤلم الذي يعيش فيه المواطن تحت ضغط كبير ويتم فيه تحميل المواطن والوطن أكثر من طاقته ثم يطلب منه ليس فقط أن يقبل بهذا الواقع المر وإنما عليه أن يشكر الله عز وجل ويشكر المسئولين على ما أعطوه وما قدموا إليه من حياة سعيدة هانئة حتى لو حصل أن جزيرته الجميلة تحولت إلى جزيرة بلا شطآن ووطن بلا سواحل وحتى لو وصل عدد الفقراء إلى أكثر من 50 ألف فقير في بلد نفطي يتحدث عن اكبر مرفأ مالي في الشرق الأوسط وحتى لو بات البعض من الناس في الشوارع بلا مأوى أو تكدسوا على بعضهم البعض في شقق لا تستوعب أعدادهم وحتى لو عملت المرأة في بلادنا سائقة سيارة تنقل الطلاب والطالبات إلى المدارس و"شغالة" في مدرسة وعاملة في مشغل بأجر 50 دينار بحريني وحتى لو كنا في بلد يتسابق فيه الطلاب الصغار على غسل السيارات وتنظيفها في مقابل اجر قليل يعطى لهم، والغريب انه في ظل هذا الواقع المأساوي فان على المواطن أن يبقى مبتهجا وألا يتذمر وألا يكون ساخطا على هذا الوضع لأنه أفضل من كثيرين يعيشون في عالم اليوم فلماذا عليه أن يطمع في أكثر من ذلك.

 

لا أحد يمكن أن يقبل بعمل فاسد كـ"تبييض" الأموال ولا أحد يرضى بتجاوز القانون ولكن الناس يعيشون في حيرة من أمرهم فقد تعلموا الكثير من الأمور خلال الفترة الماضية في مدرسة السياسة في بلادنا فمن "إفلاس اكتواري" عليهم أن يرضوا به ومن "تأمين ضد التعطل" عليهم أن يساهموا فيه ومن "تقاعد" نيابي ووزاري غير  مبرر عليهم أن يقبلوا به وهكذا أتى الدور اليوم على "تبييض" للمال لا يعرف الكثير من المواطنين عن ماهيته، ولا يدري المواطن المحتار في أمره ما هي "الصرعات" القادمة في بلادنا التي سوف تطل عليه والأمّر من ذلك لا يدري المواطن هل يعتبر ما يحصل في خانة "الانجازات" الحكومية أم أنها في خانة "المآسي" ولكن السؤال الذي ينبغي الإجابة عليه بلا مواربة وبكل وضوح هل أن المشكلة اليوم تكمن في "تبييض" الأموال أم أنها اخطر من ذلك وهل سوف تتوقف عند هذا الحد أم أنها سوف تذهب إلى ابعد من ذلك وهل سوف نصل إلى الحديث عن قضية اكبر من "تبييض" الأموال التي تبدوا قضية هامشية أمام قضية "تبييض" الوطن.

والله من وراء القصد.
207797
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف