قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
بين جدار برلين وجدراننا العازلة

احتفال الألمان والعالم الغربي بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين يثير في النفس شجوناً كثيرة وتساؤلات عدة فهذا الجدار الذي أقامه النظام الشيوعي الذي نصبه الإتحاد السوفيتي  في ألمانيا الشرقية  ففي عام 1961م أقام جدارا بطول 155 كيلومترا يعزل الجانب الغربي من برلين بهدف منع مواطنيها من الفرار إلى ألمانيا الغربية وعلى الرغم من فتح المعابر وانهيار الجدار العازل عام 1989م عقب احتجاجات استمرت عدة أسابيع وعلى الرغم من إعلان توحيد ألمانيا بعد ذلك عام 1990م إلا أن الأمور لم تكن سهلة وشابتها تحديات سياسية تمثلت في رفض بريطانيا وفرنسا لتوحيد ألمانيا فقد كانت رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت تاتشر تخشى أن إتحاد ألمانيا الغربية وألمانيا الغربية يمكن أن يخلق ألمانيا عظمى قوية وتظافر موقفها مع الرئيس الفرنسي وقتذاك فرانسوا ميتران.

 

إن في انهيار الجدار العازل دروساً وعبراً كثيرة لابد من التفاعل معها واستخلاص الدروس والتجارب منها خاصة وأننا بحاجة إلى ذلك حيث يقول الرسول الأكرم :"في التجارب علم مستحدث" فكم من الجدران التي صنعتها الأوهام والعقليات المريضة التي أوجدت أعرافاً خاطئة وصنعت سدوداً وجدراناً عازلة في واقعنا السياسي والاجتماعي فأصبح الناس يعيشون التصنيف والتمييز والتقسيمات الجاهلية التي حاربها ديننا الحنيف من خلال تشريعات وقيم سامية ألغت الفوارق الطبقية والعشائرية والجغرافية فقال الرسول الأكرم :"الناس سواسية كأسنان المشط" بينما نعاني اليوم من عقليات تستكثر على الناس اعتقاداتها ودينها وتشكك في انتمائها ووجودها وهو ما أدى إلى وجود فجوات ومساحات بين أبناء المجتمع الواحد الذي قسم طائفياً وسياسياً واجتماعياً نتيجة للعقليات التي تعيش في ظلمات الجهل والأوهام المريضة.

 

إن بناء المجتمع والارتقاء بالناس بحاجة إلى تضحيات وعطاءات وليس إلى "عنتريات" و"شطحات" تأخذ بالناس إلى الخصومات والنزاعات وإبعادهم عن بعضهم البعض تحت "غطاءات" سياسية أو فكرية أو إدارية فتجعل البعض منهم يشعرون بالغبن وحتى عندما يتذمرون من ذلك أو يعبروا عن معاناتهم وألمهم وهمومهم فإنه يستكثر عليهم ذلك فهاهي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي ترعرعت في الجزء الشيوعي السابق من ألمانيا لا تتردد في الحديث بشكل صريح وأمام العالم عن أن آثار تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية لا تزال شاخصة وقائمة إلى اليوم وتذهب ميركل إلى ما هو أبعد من ذلك فتقول إن عملية توحيد ألمانيا ما تزال غير مكتملة وإن الجزء الشرقي ما زال يحاول اللحاق اقتصادياً بالجزء الغربي الغني من ألمانيا، ولم يستكثر عليها أحد أنها جاءت من الجزء الشيوعي من ألمانيا سابقاً كما لم يستكثر عليها أحد أن تتحدث عن تمييز بين شطري ألمانيا وعلى الرغم من كونها على رأس الهرم السياسي في ألمانيا فإنها لا ترى ضيراً في البوح بهذه المشكلة مع ما يمكن أن يسبب لها ذلك من إحراج سياسي كونها مسئولة عن ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، وهذا هو الطريق السليم لمعالجة قضايانا والارتقاء بواقعنا إذا كنا جادين في ذلك فلا يمكن التغيير والإصلاح من دون الاعتراف بوجود معضلات على أرض الواقع وهو ليس مجرد ادعاءات أو افتراءات بقدر ما هو واقع تقرّه الحقائق والوقائع التي ينبغي أن يبوح بها الناس ويتحدثوا بها علناً في وسائل الإعلام من دون خوف ومن دون تجميل أو تلميع ومن دون الحاجة إلى الاكتفاء بمجرد الهمس بين الناس أو الحديث عن طريق "اللمز" أو "الغمز" بينما يعيش الناس في عصر المعلوماتية والانفتاح والحديث عن النظم الديمقراطية.

 

إن أي شعور بالغبن أو التمييز عند أي شخص على أرض الوطن سواء عندنا أو حتى في أرقى النظم الديمقراطية فإن من الطبيعي أن يدفعه ذلك إلى شعور "بالاضطهاد" وهو أمر لا ينبغي أن نستكثره على الناس فنعمل على التستر عليه أو اعتباره تشويها لصورة بلدنا ومجتمعنا بقدر ما يدفعنا هذا الأمر لتلمس الحقيقة والبحث عن مواضع الخلل والتقصير والتجاوزات في واقعنا السياسي والاجتماعي لكي نقوم بالمعالجة المناسبة على طريق الإصلاح والتغيير نحو بناء واقع سياسي واجتماعي سليم وقوي متين يقوم على المصارحة والمكاشفة وليس على أساس التستر وطمس الحقائق فنبقى نعيش في عالم الوهم والتحريف وتزوير الحقائق وهنا يكمن الفارق بيننا وبين غيرنا ممن المجتمعات المتقدمة التي تتفوق علينا بملايين السنوات الضوئية وهو ما يفسر إخفاقاتنا المتتالية وإبداعاتهم التي صنعوا من خلالها الفارق بينهم وبيننا من خلال نمط التفكير الذي يحاولون من خلاله أن يحطموا جدرانهم العازلة فمتى نقوم بتحطيم جدراننا العازلة وما أكثرها في بلداننا وصدق ربنا عز وجل حيث يقول: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد 11]

والله من وراء القصد.
212913
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف