قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
إن الذي حصل هو عطاء وتفضل من الله سبحانه وثمرة لدماء الشهداء الزكية
كلمة العلامة المحفوظ بمناسبة عودته إلى أرض الوطن
العلامة المحفوظ يلقي كلمته التاريخية
العلامة المحفوظ يلقي كلمته التاريخية

وجه سماحة العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ كلمة لشعب البحرين وذلك في الاحتفال التاريخي الذي أقيم يوم عودته إلى أرض الوطن بعد أكثر من عشرين عاماً من الهجرة التي قضاها في الجهاد، وحضر الاحتفال حشد غفير من أبناء الوطن تقدمهم عدد كبير من الشخصيات الدينية والسياسية والاجتماعية.

 

نص الكلمة:
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الأبرار..

قال الله العلي العظيم: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

 

قبل كل شيء، أرفع يدي إلى ربنا عز وجل الذي تفضل علينا بنعمه، شاكراً لتوفيقه، الذي عرفنا إليه من فضله، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وهدانا إلى أنبيائه. 

طالبين منه تعالى أن يرحم شهدائنا الذين بذلوا دمائهم الزكية من أجل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فهم أبطالنا الحقيقيون وهم قدوتنا في الحياة، وهم أصحاب الفضل الأكبر.

كما لابد لي أن أتوجه إلى أبناء الشعب جميعا بالشكر الجزيل لما بذلوه في الفترة السابقة من جهود كبيرة، وما تحملوه لتحقيق الحرية، وعلى الأخص الذين دخلوا السجون وتحملوا العذاب.

 

لو لم يكن الحسين عليه السلام، لم يكن لحياتنا معنى.

ولم لم تكن الثورة الحسينية الخالدة.

لما كان للحرية معنى.

ولما كان للكرامة معنى.

ولما كان للعدل معنى.

ولما كان للمساواة معنى.

ولما كان للشهادة معنى.

 

وقد فضح الإمام الحسين عليه السلام الباطل بدمائه الزكية، ودماء أهل بيته وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، حيث كان يتستر الباطل بالزيف والخداع والتضليل ولغة المصالح، ليجعل منها واقعاً في مقابل الصدق والصفاء والطهارة والكرامة.

كانت معركة الإمام الحسين عليه السلام مع الزيف معركة كبرى في تاريخ الإسلام، وبهذه المعركة تحدد مصير الإسلام وخرج من أيدي الحاكمين الذين كانوا يريدون التلاعب به وتحويله إلى دين كالمسيحية واليهودية في وقتنا الحاضر.

ولذلك فإنه صرح بمبادئه الكريمة قائلاً: "ألا وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم الظالمين".

وفي موضع آخر يقول عليه السلام: "ألا وأن هؤلاء قد أظهروا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، واتخذوا مال الله دولا وعباده خولا، وإني أحق من غير".

هكذا كان الإمام الحسين عليه السلام في دعوته الإصلاحية المباركة، ذلك لأن الانتصار النهائي للدين ليس في أن يصبح باسمه حاكمون على وجه  الأرض، كما كان يصنع حكام بني أمية، وإنما الانتصار الحقيقي أن تكون الحاكمية الفعلية للقيم والمبادئ التي ينادي بها الدين، فما دامت المبادئ والقيم تتعرض للتحريف وللتزييف فلا قيمة للشعارات ولا قيمة للإطارات الزائفة، فالإسلام يجعل المقياس النهائي هو الإيمان والعمل الصالح، وليس مجرد الشعار.

 

من هنا فإن انتصاره النهائي هو انتصار قيمه ومبادئه ومحتواه، ولذلك فمع أن الإمام الحسين عليه السلام قتل قبل أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، ولكن بقى كمبدأ وكقضية وكرسالة، وهو موجود في كل عصر وفي كل زمان.

لأن ثورته عليه السلام هي ثورة الإنسان كما أراد الله، وثورة الإسلام كما أنزله الله.

إن الإمام الحسين الشهيد عليه السلام هو وارث الأنبياء جميعاً، لأنه حامل رسالات الأنبياء ومبادئهم وقيمهم، ولذلك قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حسين منى وأنا من حسين". لقد كان مقصد رسول الله واضحاً، حيث كان يعني أن مبادئه هي مبادئ الإمام الحسين عليه السلام، وأن المبادئ التي سيثور من أجلها الإمام الحسين عليه السلام، هي مبادئ رسول الله .

 

أيها الأخوة الكرام...

لقد ثار الإمام الحسين عليه السلام وضحى بكل ما يملك من أجل نفس القيم التي جاء بها رسول الله لإحياء البشرية، وتفجير طاقات الإنسان من أجل التنافس في عمل الخير.

 

إذ أن ربنا عز وجل حثنا على الاستجابة لهذه الدعوة بقوله: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"، وإنه لشرف عظيم للبشرية أن تفتح عيونها على مبادئ هذا الدين وتعاليمه، لتنعم بالحياة الحرة الكريمة، حيث شملت هذه المبادئ والتعاليم كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، وحاربت كل الصفات الجاهلية، فلا العصبية ولا القبلية ولا الانعزالية ولا الأموال والمناصب هي القياس، وإنما التقوى هو المحور والمقياس، لقول ربنا عز وجل: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فالتمايز ليس باللون أو الحسب والنسب أو بالجنس وما أشبه، إنما بعمل الإنسان ومدى التزامه بالقيم والمبادئ.

إن الإسلام هو دين الحياة والتعايش والإنسانية في ضل القيم السامية التي تؤكد على المساواة وتكافؤ الفرص وإقامة العلاقة بين الناس على أسس إنسانية، لذلك قال رسول الله: "إن الناس سواسية كأسنان المشط". 

والعلاقة بين الناس تشمل الدائرة الأوسع وهي دائرة الإنسانية، من هنا جاءت الآيات المباركة والأحاديث الشريفة لتؤكد على هذه الرؤى السامية بقول ربنا عز وجل: "إنما المؤمنون أخوة"، ويقول رسول الله: "كلكم من آدم وآدم من تراب"، ويقول مولانا الإمام أمير المؤمنين: "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نضير لك الخلق".

 

فيما يرتبط بالإدارة والمشاركة في الرأي وإدارة الأمور فقط حثت تعاليم الدين ومبادئه على ضرورة التعاون مع الجميع والتقاطع مع أفكار الناس واختيار الأفضل من آرائهم، وفي ذلك يقول ربنا عز وجل: "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، ويقول سبحانه أيضاً: "وأمرهم شورى بينهم"، وفي الحديث عن مولانا أمير المؤمنين: "من شاور الرجال شاركها في عقولها"، وفي حديث آخر: "لا ظهير كالمشاورة".

وحذرت التعاليم الإسلامية من الاستبداد بالرأي لما له من آثار سلبية على الحياة والمجتمع، فقال أمير المؤمنين: "من استبد برأيه هلك"، وقال الإمام الباقر: "أدنى الشرك أن يبتدع الرجل رأيا ، فيحب عليه ويبغض عليه".

 

من هنا وعلى نهج تعاليم هذا الدين العظيم وقيمه السامية، انطلق الخط الرسالي المبارك على طريق الأنبياء والرسالات، وفي خطى أهل البيت عليهم السلام، من أجل الله والحق والحرية، ليواصل مسيرة الإصلاح، في سبيل بناء الإنسان الرسالي والأمة الحضارية المؤمنة، وفي مواجهة الظلم والتحريف.

 

أيها الأخوة الأعزاء...

إن الذي حصل هنا إنما هو عطاء وتفضل من الله عز وجل، ونتيجة للتضحيات التي بذلها الناس وثمرة لدماء الشهداء الزكية، وجهود وصبر المجاهدين والعاملين على الساحة بمختلف تنوعاتهم في الداخل والخارج رجالاً ونساءاً وأطفالاً، وإنها نعمة كبرى ينبغي علينا شكر الله عز وجل عليها لقول سبحانه وتعالى: "لأن شكرتم لأزيدنكم"، والحديث الشريف يقول: "وبالشكر تدوم النعم".

 

ومع أن ما حصل أدخل الفرحة والبهجة في نفوس الناس جميعاً بعد معاناة طويلة، إلا أنه لا يزال هناك تحديات كبيرة لابد من مواجهتها بكل عزم وثبات من أجل حياة حرة كريمة، وتتلخص هذه التحديات في:

 

أولاً: إطلاق الحريات في كافة المجالات، كتأسيس الأطر التي يرغب الناس العمل فيها من أجل تعميق المشاركة الجماهيرية في كافة المرافق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واستنهاض الهمم وتفجير الطاقات، فلا تنمية بلا حرية، ولا تقدم بلا حرية، ولا حضارة بلا حرية، ولا إبداع بلا حرية، ومن هنا ينبغي إطلاق الحريات على جميع المستويات، ابتداء من حرية التعبير والصحافة والإعلام، ومروراً بكل الحريات الأخرى وانتهاء بالحرية في العمل السياسي.

 

ثانياً: معالجة البطالة معالجة حقيقية في كافة مرافق الحياة، عبر تحقيق العدالة والتوزيع العادل للثروة ومنع الاحتكار، لأن البطالة سبب لكثير من الأزمات والمشاكل، كالفراغ والفوضى والفساد، ولذلك لا بد من تشكيل لجنة طوارئ عاجلة لمعالجة هذه الأزمة.

 

ثالثاً: محاربة الفقر والذي يقول عنه أمير المؤمنين: "لو تمثل لي الفقر رجلا لقتلته"، وفي حديث آخر يقول: "ما دخل الفقر بلداً إلا وقال الكفر خذني معك"، ويقول عليه السلام  أيضاً: "ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع"، ولا يمكن معالجة هذه الأزمة إلا بتوزيع عادل للثروة.

 

رابعاً: إقامة الحياة العامة على أساس التعددية، باعتبارها منهجاً ينسجم مع السنن الإلهية وطبيعة الحياة البشرية، حيث يقول ربنا عز وجل: "وخلقناكم أطوارا".

 

خامساً: تعزيز الوحدة على أساس الأمة بربها ودينها باعتبار أن الله واحد، والإسلام هو دين الأمة جمعاء، وإن حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض – وهو القرآن الكريم – ضمانة لتوحيد الكلمة، وهو الثقل الأكبر الذي تركه رسول الله مع أهل بيته، ليتمسك بهما الناس حتى لا يضلوا بعده أبدا، وقال: "إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا".

 

سادساً: إزالة كافة العقبات التي تعترض سبيل تحقيق هذه المبادئ، وذلك عبر تحمل الناس لمسؤولياتهم في الدفاع عن إيمانهم وحقوقهم ومصالحهم ومحاسبة الذين يتعدون على حقوق الله وحقوق عباده، فمن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده.

 

أيها الأخوة الكرام...

إنما نعتقد أن بناء الوطن إنما يكون سليما إذا قام على الأسس التالية:

1- الإيمان.

2- العدل.

3- الحرية.

4- تكافؤ الفرص.

5- اعتماد المشاركة الحقيقية.

6- إلغاء التمييز بين أبناء الشعب الواحد.

7- التعاون والتكاتف ونبذ العصبيات.

وعدم نفي أي جهة مؤمنة تحت ذرائع الاختلافات الفكرية، والسماح للجميع لإبداء الرأي عملاً بقوله تعالى: "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه".

 

وفي الختام فإننا نمد يد التعاون مع كافة القوى المخلصة في هذا البلد الطيب، من أجل بناء المستقبل الأفضل الذي يأخذ بكل أسباب التقدم الحضاري ليأخذ مكانته في مقدمة الدول إن شاء الله تعالى.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

207963
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف