قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
بين أزمة المعارضة وأزمة النظام السياسي

يبدوا لي والله العالم أن المعارضة السياسية في البحرين فقدت الكثير من مقومات النجاح والقدرة على المناورة حينما فرطت في التحالف السياسي "الرباعي" الذي تشكل على ضوء الأزمة الدستورية التي نشأت نتيجة لغياب الدستور التعاقدي الذي كان ينتظره شعب البحرين، ومع أن التحالف الرباعي في ذلك الوقت ضم أربع من الجمعيات السياسية فقط وهي جمعية العمل الإسلامي وجمعية الوفاق الإسلامية وجمعية العمل الديمقراطي وجمعية التجمع القومي إلا أنه استطاع أن يقوم بعمل سياسي معارض فعّال على الصعيد الإعلامي والسياسي والجماهيري و بقطع النظر عن نجاحاته وإخفاقاته فلست هنا في صدد تقييم شامل ولا حتى جزئي لذلك التحالف إلا أن حضوره السياسي أعطى نكهة وطعماً مميزاً وأحدث حراكاً على أكثر من صعيد كان يمكن أن يؤسس لقيام معارضة راقية تقوم بدورها في صياغة نظام سياسي متطور، ولم يضم التحالف فقط أتباع جمعياته وإنما استقطب مجاميع من الكفاءات وأصحاب الاختصاص والمحامين الذين قاموا بدور فاعل خاصة فيما يرتبط بالشأن الدستوري وكان لهم دور لافت في تأسيس المؤتمر الدستوري الذي احتضنته جمعيات التحالف، ومع انهيار التحالف الرباعي أمام قضية الانتخابات النيابية التي فشل التحالف في الاتفاق على رؤية موحدة أمامها تبدوا الأمور اليوم أكثر تعقيداً أمام المعارضة بعد أن توزعت قواها وجهودها وربما "تبعثرت" خاصة أمام التحديات الكبيرة التي تعصف بواقعنا السياسي.

 

إن الأمر بحاجة إلى وقفة جادة وصادقة وإلى مراجعة الذات والحسابات والخروج من دائرة الجمعية أو الحزب أو التيار والتفكير بأفق أوسع، وإن من السذاجة أن تكون حسابات المعارضة السياسية مرهونة بالدخول في المجلس النيابي أو مقاطعته مع إنني أرى أن هذا المجلس لن يغير شيئاً في واقعنا السياسي باتجاه الأفضل وهذا ليس ادعاء بقدر ما هو حقيقة أثبتتها حقائق السنوات الماضية التي بقيت "عجافاً" ولا تزال بالرغم من كل "التلميعات" التي حاول البعض سواء من الدولة أو من النواب أن يسوقوها عن المجلس، ولكن القضية أكبر من مجرد مفهومين سياسيين حينما نتحدث عن "مشاركة" أو "مقاطعة" أو أكثر من ذلك حينما يتم الحديث عن "معارضة" و"موالاة" و"ممانعة" و"مسايرة" وهكذا، فإن الأمر بحاجة إلى رؤية واضحة المعالم ينبغي تبنيها بعد الاتفاق عليها من خلال دراسة معمقة لكل الواقع السياسي وبعيداً عن الحسابات الضيقة التي من الممكن أن تعرقل أي عملية للوصول إلى الحقيقة.

 

إن التحدي الكبير في العملية السياسية هو في غياب الشراكة السياسية أو تغييبها وهنا جوهر القضية حيث أن الحديث عن معارضة وموالاة في العمل السياسي هو أمر طبيعي في حالة وجود نظام ديمقراطي تتغير فيه قواعد اللعبة السياسية فقد يكون من في الموالاة في موقع المعارضة والعكس حسب قواعد اللعبة الانتخابية والديمقراطية ولكن هذا غير موجود عندنا وعلينا أن نسعى للوصول إلى ذلك ولكن هذا بحاجة إلى عمل جاد وإرادة صلبة تستطيع أن تتحمل المسئولية وتواجه التحديات من خلال عمل سياسي يتسم بالحكمة والتعقل من جانب لكنه لا يفتقد الجرأة والشجاعة أيضاً على الجانب الآخر وخاصة فيما يرتبط بتسمية الأمور بمسمياتها من دون رتوش أو "تلميع".

 

وإنني أرى إنه من السذاجة أن يكون العمل السياسي محصوراً تحت قبة المجلس النيابي الذي أجمعت قوى المعارضة على أنه دون الطموح وليس هو المطلوب ولكن مع ذلك فإن البعض منها تعمل في سباق مع الزمن على أن تكون في داخله مع أن المجلس النيابي اليوم ليس فقط ما ينتخبه الناس من أعضاء وعددهم أربعون نائباً وإنما المجلس النيابي هو مجلس يتكون من ثمانين نائباً نصفهم منتخب ونصفهم معين وهذه الحقيقة ربما يعرفها الكثيرون ولكن علينا أن نوضح للناس الصورة، والغريب أن البعض يتحدث عن "تنافس" انتخابي والبعض يتحدث عن "تحالف" انتخابي  ناسين أو ربما متناسين أن المجلس النيابي ليس هو سيد العملية السياسية وإنما هو الطرف والحلقة الأضعف خصوصاً مع أحقيّة المجلس المعين بالولاية عليه سواء من خلال ترؤسه للمجلس الوطني أو من خلال كتلته المتراصة التي تتمثل في أربعين نائباً معيناً يشتركون في التشريع إذا وجد، وهذا يجعل منها أكبر كتلة سياسية على الإطلاق في المجلس مما يجعل أي حديث عن التنافس أو التحالف هو مجرد عبث أو "سذاجة".

 

إن تطوير النظام السياسي بحاجة إلى تضحيات كبيرة سواء من قبل الحكم أو من قبل أطراف المعارضة وعلى الجميع تقع مسئولية تاريخية في القيام بعملية التغيير في نمط التفكير من أجل الوصول إلى تغيير حقيقي وجاد ومثمر على صعيد الواقع السياسي الذي يعاني من قيود وثقل في مواجهة التحديات التي تتحدث عنها الأرقام والحقائق والوقائع يومياً في بلادنا وإذا كنا نتحدث عن مفردات عزيزة علينا جميعاً فنردد في أدبياتنا وخطاباتنا "الوطن" أو "الوطنية" فإن الحاجة إلى ترجمة  ذلك على أرض الواقع والقرار تبدو ماسة أكثر من أي وقت مضى.

والله من وراء القصد.
375432
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف