قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
رؤية في بناء النظام السياسي

ربما يكون بناء الأنظمة السياسية من أكثر القضايا تعقيداً وصعوبة وهو أمر طبيعي نظراً لتعدد التوجهات والميول والآراء والاختلافات الموجودة في داخل المجتمع الواحد ولكن هذا الأمر في نفس الوقت يعطي ايجابية كبيرة وحافزاً من أجل العمل على تطوير النظام السياسي والارتقاء به لكي يكون موقعاً يستطيع أن يوجد حالة من التوافق الاجتماعي والسياسي بين الناس عليه سواء في حده الأعلى أو على الأقل في الحد الأدنى فيما يرتبط بتحقيق الآمال والتطلعات التي يسعى المجتمع لتحقيقها والوصول إليها، ولذلك تتمايز الأنظمة السياسية في قدرتها على مواكبة المتغيرات والتحولات الاجتماعية والسياسية سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وليس هذا فحسب وإنما يظهر تميز هذه الأنظمة بقدرتها على الاستجابة لمتطلبات الساحة والتجاوب مع حركة الناس وتطلعاتهم والقدرة على فهمهم واستيعاب توجهاتهم من أجل بناء الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

 

إن من أكثر الأمور تعقيداً أن يتحول النظام السياسي إلى "وصي" على الناس بدلاً من أن يكون "حاضناً" وهذا الأمر يحدث فرقاً كبيراً في الأداء على الصعيد السياسي والاجتماعي إذ أن حالة الوصاية قد تتحول إلى حالة من السيادة وهذا يؤدي بمرور الزمن إلى إفراز مسافة "نفسية" و"مادية" بين النظام والناس فيرى النظام نفسه "سيداً" على الناس الذين عليهم أن يتبعوه وينقادوا له وإلا فهم خارجين عليه وهذا ما يحول الناس إلى مجرد أدوات ليس لها رأي وبدلاً من أن يكون الناس "شركاء" يتحولوا إلى "أتباع"، بينما ينبغي أن يتحول النظام السياسي إلى "مستثير" للعقول و"محفز" للهمم و"مستنفر" للطاقات وهو ما يدفع باتجاه التنافس الخلاق ويولد الإبداع ويحرك العقل والفكر وقد أشار القران الكريم في لفتة رائعة إلى أهمية هذا الأمر حيث يقول ربنا عز وجل: " فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ" [الغاشية : 21، 22] فمع أننا نؤمن بأن الله عز وجل قد أعطى للرسول الأكرم الولاية التكوينية والتشريعية إلا أن هذا التوجيه الإلهي يعبر عن دقة عالية في صياغة الشخصية الإنسانية بطريقة راقية وفي ذلك عبرة لمن أراد أن يعتبر.

 

إن التمايز بين الأنظمة السياسية يبرز بشكل أكبر في قدرة هذه الأنظمة على صناعة الفرص وتوفيرها للناس بشكل متساو ومتكافئ من دون تمييز ومن دون أية محسوبيات وهو ما يصنع الفارق بين المجتمعات المتقدمة وغيرها من المجتمعات المتخلفة التي لا ترى لنفسها سوى فرص "ضئيلة" وقد لا ترى مطلقاً في أسوأ الأحوال والعياذ بالله وهذا ما يدعوا الكثير من أفرادها للهجرة بحثاً عن واقع أفضل ويتوضح خطورة ذلك إذا عرفنا مثلاً أن 3/5 العقول العربية تهاجر إلى الغرب بحثاً عن مستقبل أفضل على الرغم من كل الصعوبات والتحديات، ولكنها حقيقة مرة وقاسية ويعاني الناس منها كثيراً ولك أن تتصور أن الناس مثلاً في البحرين "الجزيرة" التي تحيط بها السواحل من كل الجهات وإذا بها تتحول إلى جزيرة بلا "شطآن" أو شواطئ وهو عنوان يصلح لأن يكون اسما لفيلم ولكنه واقعي وليس مجرد حكاية فإذا كانت السواحل قد صودرت بنسبة 97% وهي قضية ظاهرة للعيان وكذلك قضية الأراضي والمساحات الشاسعة التي من المفروض أن تقدم للناس بدلاً من افتعال أزمة الإسكان فإن ذلك يكفي لكي يعبر عن غياب الفرص أمام الناس في القضايا الأخرى التي قد تكون معقدة خاصة إذا ارتبط الأمر بالمال وحسابات الأرقام والميزانيات وقد يكون أكثر تعقيداً فيما إذا ارتبط الأمر بدهاليز السياسة والشراكة في صناعة القرار خاصة إذا ما تم العمل على "تقديم" أو "تشكيل" إطارات تحمل عناويناً براقة ويثار حولها الكثير من الضجة والزوبعات من أجل التأكيد على حضورها بينما هي في الواقع مجرد إطارات خاوية لا تعدو كونها أكثر من مرافق "تابعة" تستنزف من أموال الناس أكثر مما تعطيهم وتقدم لهم وهذا الأمر ينطبق على المجالس الصورية  وغيرها من إطارات ومسميات تعبر عن واقع سيء عاجز عن توليد الفرص وإتاحتها بين يدي الناس الذين يشكون من ضيق اليد ومن ضيق الساحل ومن ضيق الوظيفة ومن ضيق السكن ومن ضيق القرار ومن الطبيعي أن يقود كل ذلك إلى شيء من ضيق الصدر، ولكن حفاظاً على صدور الناس أنصح الجميع بالأمل والتفاؤل دائماً فالرسول الأكرم سيدنا محمد يقول: "تفاءلوا بالخير تجدوه" بينما يقول الشاعر الطغرائي:

اعلل النفس بالآمال ارقبها   ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل .

والله من وراء القصد.

375432
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف