قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
الرسول الأكرم محمد(ص) وبناء النظام الإنساني

ونحن نمر بذكرى مولد نبي الرحمة وسيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد لا بد لنا من التوقف عند شخصيته العظيمة وسيرته المباركة لكي نتعلم منها دروساً بليغة وسلوكاً رفيعاً ينعكس على أداءنا سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي، خاصة في ظل التحديات الكبيرة في عالم اليوم وفي ظل الضياع والتخبط الذي تعانيه الأنظمة السياسية الحاكمة في مجتمعاتنا التي أضاعت نفسها وبلادها بالابتعاد عن التأسي والاقتداء بسيرة الرسول الأعظم، مع أن التاريخ أثبت أن الرسول أقام حضارة إنسانية في فترة زمنية قياسية وقد اعتبر أحد الكتاب الغربيين في كتابه "الخالدون مائة" الرسول في المرتبة الأولى من عظماء التاريخ البشري كما اعتبره أعظم شخصية في تاريخ العالم بما حققه من نجاح عظيم في إبلاغ رسالته وتأسيسه لدولة إسلامية كبيرة وحضارة عريقة ظلت تغذي العالم بالعلم والمعرفة والعطاء لقرون عديدة، حيث يقول الدكتور مايكل هارث أستاذ الرياضيات والفلك والفيزياء في الجامعات الأمريكية وخبير هيئة الفضاء الأمريكية "لقد اخترت محمداً في أول هذه القائمة...ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، ولكن محمداً هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً وبعد 13 قرناً من وفاته فإن أثر محمد ما يزال قوياً متجدداً".

 

ومع أن الرسول لا يحتاج لشهادة أحد من الخلق بعد أن توّجه ربنا عز وجل بكل خصائص الفخر والشرف والرفعة، لكن الحق يقال ومن الأبعدين فضلا عن الأقربين، وما نحتاجه اليوم هو السير على خطى هذا الرسول العظيم والتوقف عند ذكراه التي يستنكف منها البعض لجهلهم وضلالهم بهذه القيمة المعنوية والمادية الكبرى في التوقف عند محطة عظيمة في عالم الإنسانية حيث أغنى الرسول الأعظم العالم بحركته التي تأسست على الأخلاق الرفيعة والتي تجسدت في رسول الله عملياً حيث يقول ربنا عز وجل في وصف نبيه: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم : 4]، ويقول الرسول الأعظم عن نفسه: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وهي قاعدة عظيمة يمكن أن تؤسس لحياة كريمة فمهما تعاظمت قوة الإنسان على أي صعيد سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً فإنه لا يستطيع أن يستغني عن الأخلاق في ترشيد هذه القوة وتهذيبها والدخول من خلالها إلى قلوب الناس ووجدانهم والتأثير على مشاعرهم وفي هذا الشأن يقول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب: "عجبت ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بأخلاقه"، وقد كان هذا هو السلاح الفعال في حركة الرسول لنشر الإسلام وبناء الحضارة الإنسانية مما جذب الناس إليه وجعلهم يعشقونه حتى من دون أن يروه ويجالسوه وعالم اليوم يشهد بذلك.

 

إننا بحاجة إلى بناء أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية على أسس أخلاقية تحفظ للناس كرامتهم وعزتهم وتضمن لهم استقلالهم وحرياتهم بدلاً من معاداتهم وتنفيرهم وتصنيفهم فقد كان رسول الله أجود الناس كفّاً وأكثرهم صبراً وأصدقهم لهجة وأوفاهم ذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة وبأخلاقه العالية جعل الأعداء يقرون له بالفضل ويعترفون له بالنبل والكرامة ومن ذلك ما نقل من أنه عندما لقي الخنس أبا جهل قال له: يا أبا الحكم ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا تخبرني عن محمد صادق أم كاذب؟ فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط.

 

إن الحاجة إلى الصدق في التأسيس لأي مشروع وفي عمل على الصعيد السياسي أو الاجتماعي هو ما يعطيه القدرة على الاستمرار وهو ما نحتاجه اليوم في أنظمة سياسية بلا روح وبلا طعم ولا لون لأنها تفتقد إلى الصدق مهما حاولت أن توهم نفسها بذلك وهو ما جعل بلداننا تراوح مكانها فلا تتقدم ولا شيء عندها تباهي به عالم اليوم بعد أن ضيعت بوصلتها وفقدت حضورها الذي أوجده لها دين الإسلام فأصبحت في مؤخرة العالم مع أنها تمتلك أفضل الأديان وتنتمي إلى أعظم الأنبياء وهو رسول الله.

 

إن أنظمة سياسية لا تنتمي إلى رسول الله في ثقافتها وتكوينها وسياساتها لا معنى لها ولا مشروعية فربنا عز وجل يقول: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [الأحزاب : 21]، فالرسول الأكرم الذي نشر العدل والمساواة والحب والفضائل هو الصبغة التي ينبغي أن يتأسس عليها نظامنا الإنساني في كل أبعاده سياسياً واقتصادياً وتربوياً بدلاً من صبغة الأهواء والعصبيات والنزعات الجاهلية التي تفرق ولا توحد وتشتت ولا تجمع وتسير بالمجتمعات نحو التخلف والجمود بدلاً من التقدم والازدهار، ولنثق بأنه لا يمكن أن تقوم لنا قوة أو حضور أو نهضة من دون الرجوع والعودة للثقافة والفكر والسلوك الذي جاء به رسول الله الذي نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من السائرين على نهجه وأخلاقه وقيمه ورسالته مع أهل بيته الأطهار وأن يحشرنا معهم جميعاً يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

207963
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف