قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
الرؤية والتواضع السياسي

ربما يلاحظ المتابع لأوضاعنا على أكثر من صعيد أننا وصلنا إلى مرحلة تحولت فيها قدرة الأزمات على الاستمرار أكبر من قدرة المعالجات والحلول الموضوعة على صعيد الواقع، وهي حالة تدعوا للتأمل ومراجعة الحسابات بواقعية من جهة ومن جهة أخرى العمل على الخروج من هذه الحالة المعقدة من خلال سياسات جادة وشفافة بدلاً من الانشغال بسياسات الهروب إلى الأمام التي تفاقم الأمور سوءاً وهي لا تحل الأزمات والمشكلات التي يعاني منها البلد إلا في ذهن أصحابها فقط.

 

ومع أنه قد يمكن اعتبار لجوء الحكومة إلى عملية تعزيز الثقة بنفسها من خلال دعايات إعلامية مستمرة قضية اعتيادية في العمل السياسي إلا أن ذلك لا يبرر بطبيعة الحال العمل على تلميع الصورة في كل قضية إلى درجة القفز على حقائق الواقع وكأن الناس يعيشون في الدولة المحسودة لحال الرفاه واليسر ورغد العيش والحياة الحرة الكريمة، وما يخشى أن نصل إلى وضع يصدق البعض ما يتحدث عنه لأن ذلك طامة كبرى مع ما تتحدث عنه أزمات البلد بشكل فاضح و "فاقع".

 

إن من الحكمة والواقعية السياسية أن نتعلم من الآخرين ممن سبقونا في مجالات عديدة وكيف أن دولاً قطعت أشواطاً متقدمة في مجالات التنمية الشاملة والإنتاج والتطوير على أكثر من صعيد ومع ذلك فإن هذه الدول لا تزال تنظر إلى نفسها على أنها مجرد دول نامية فحسب وأنها لا تزال في بداية الطريق وهو ما يمثل حالة من التواضع السياسي نحن بحاجة إلى أن يقتدي بها المتصدون للشأن السياسي سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي، مع أن التواضع حالة أخلاقية راقية يحتاجها كل فرد في المجتمع إذا ما أردنا أن نرتقي بمستوى العلاقات الاجتماعية والتعامل الإنساني في كل المجالات.

 

إن معالجة "العقد" و "الأخطاء" و "النقص" لا يمكن أن يتحقق من خلال  "ادعاءات" أو "تفاخر" أو "مزايدات" ليس لها من حظوظ أو رصيد على أرضية الواقع فبينما يعاني المواطن من عدم قدرته على شراء أرض في وطنه أو الحصول على مسكن أو حتى القدرة على إصلاح أو "ترميم" بيته "الآيل" للسقوط على رأسه ربما وهو نائم، تتحدث الحكومة عن انجازات القضاء على الفقر وبينما يعتصم جامعيون بحثاً عن العمل تتحدث الحكومة عن البطالة بطريقة استعراضية، وبينما يتذمر المواطن من انقطاع الكهرباء ومن زحمة السير الخانقة في بلد تشكل في المسافات بين منطقة وأخرى مجرد "رمية حجر" وبينما تبين الحقائق والوقائع ما يعانيه الطلاب مع بداية العام الدراسي الجديد من مشاكل وما يتعرض له التعليم في بلدنا من "إخفاقات" استشرفتها الورشة التي أقيمت قبل سنوات قليلة تحت رعاية ولي العهد الذي "شخص" الوضع التعليمي في البحرين بأنه كارثة وطنية، ولن نتحدث هنا عن أزمة السواحل والفساد المالي وغيرها من الأزمات، لكن نقول بينما يحصل كل ذلك تطالعنا التصريحات بأحاديث تنم عن طريقة "استغفالية" و "استخفافية" بعقول الناس في بلادنا قبيل "الدولة الوحيدة" في العالم و"حققنا" و"قضينا" على الفقر و "أنجزنا" وهكذا.

 

إن ما يعزز علاقة الفرد "المواطن" بالدولة يرتكز بالدرجة الأولى على الثقة التي ينبغي أن تدعمها حقائق على أرض الواقع ولكي نعزز بناء الثقة فإننا بحاجة إلى صدقية ووضوح أكثر في التعامل مع أمور الناس من خلال حسن التعامل معهم مصداقاً للحديث النبوي الشريف عن رسول الله : "الدين المعاملة" ومن خلال النزاهة والإنصاف والتواضع السياسي في التعاطي مع الملفات التي ترتبط بحاجات الناس وشئونهم ، فلا معنى للحديث عن تنمية فضلاً عن القضاء على الفقر  في بلد يعاني فيه عشرات الألوف من المواطنين من مشكلة السكن وحلم الحصول على قطعة أرض يبنون عليها بيتا يعيشون فيه.

 

إن الأخطاء والعثرات والسياسات الخاطئة قد توجد في بلد وقد تعاني منها أي حكومة وربما لا يتم التوصل إلى تحقيق انجازات أو نجاحات من دون التعلم من "العثرات" ونحن بحاجة إلى ذلك.

إن مشكلتنا لا تكمن في وجود الأخطاء والعثرات فنحن لسنا بدعاً من الشعوب ولا الحكومات وربما لا تكمن في عدم الحديث عن الأخطاء والأزمات إذ أنه قد تكون هناك مساحات مسموحة للحديث عن "بعض" هذه الأخطاء إعلامياً وها نحن وغيرنا وربما حتى الحكومة تقوم بذلك ولكن المشكلة تكمن أساساً في الحاجة إلى قدر أكبر من التواضع بعيداً عن "التعنت" أو "التبجح" وهي عملية ليست سهلة حيث الحاجة إلى مقدار من الصبر والتجمل وتقديم التنازلات للناس باعتبارهم شركاء لهم حق أصيل وليسوا مجرد "أتباع" عليهم أن يقبلوا بما يملى عليهم أو "متسولين" عليهم أن يقنعوا بما يصل إليهم.

 

هل نحن على استعداد لكي نتعلم؟ فلن نجد فرصة أفضل من شهر رمضان المبارك لكي نجعلها مناسبة للتغيير والتحولات الكبرى وليس ذلك على الله بعزيز.

والله من وراء القصد.

207963
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف