قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
صياغة الرؤية بين العقل والعاطفة

نحن دائماً أمام حالتين في الطريق لصياغة الوعي فهناك من يتصور أن الطريق الأفضل لصياغة الوعي هو استثارة العواطف والمشاعر لدى الناس سواء من خلال استثارة خوفهم أو من خلال استثارة رغباتهم وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً ويساهم في تحقيق النتائج المطلوبة حسب تصور أصحاب هذا المنحى من التفكير، ومع أننا لا نستطيع أن نستغني عن العواطف والمشاعر في تشكيل الفكرة وصياغة الوعي من خلال إذكاء روح الحماس والاندفاع ولكن لا يمكن أن تعتمد على ذلك من دون بناء العقل والاعتماد عليه في قيادة الأمور والتخطيط لها والإشراف عليها وفي طريقهم دعوتهم للانفتاح على منظومة القيم الإلهية فقد تبنى الأنبياء عليهم السلام استثارة العقل وتحريك مساحات التفكير، وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى هذه الفلسفة في بعث الأنبياء "فبعث فيهم رسله وأوتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول" وقد تبنى القرآن الكريم الدعوة لتفعيل العقل وتحكيمه من خلال قول ربنا عز وجل: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" [الحج : 46].

 

إن التحدي الكبير الذي يواجهنا في الطريق لبناء مجتمع قادر وقوي هو فيما لو ساد نمط التفكير الذي يغلب العواطف على العقل فتشكل الأهواء والمصالح والذاتيات أرضية الرؤية التي يريد البعض أن يأخذ المجتمع باتجاهها بينما يكبل العقل ويسجن فلا يسمع صوته ولا رؤيته ولا حكمه وهو ما يصنع الفارق بين مجتمعات متقدمة وأخرى متخلفة، ففي المجتمعات المتقدمة ربما أعطيت العواطف والمشاعر ما يزيد حتى عن حاجاتها إلى درجة أن وصل الأمر إلى حالات غير مقبولة إنسانياً فضلاً عن الدين والقيم الأخلاقية ولكنهم مع ذلك فإنهم حافظوا على نسبة ليست قليلة من المساحة لجعل العقل حاكماً على قضاياهم وتلك النسبة من مساحة العقل التي يعملون بها هي التي تشكل الفارق في عالم اليوم وتعطيهم التميز بطبيعة الحال على الآخرين.

 

إننا بحاجة ماسة للخروج من دائرة الانفعالات واللعب على وتر المشاعر والرغبات وذلك من خلال تحكيم العقل والمنطق وهو ما يستدعي أن نجعل الحق مقياساً والصدق ميزاناً في سلوكنا وفي ممارساتنا، بعيداً عن محاولات "التلفيق" و"التعمية" التي تزيد الأمور سوءاً وفساداً، ولكي نخرج من دائرة الشك واهتزاز الثقة فنحن لسنا بحاجة إلى التأجيج أو التأليب بقدر ما نحن بحاجة للبحث عن مواضع الخلل والنقص في بلدنا، فلا يمكن أن تقنع أحداً من الناس مهما كانت المبررات والأعذار أن الدولة لا تستطيع أن توفر مسكناً أو أرضاً للمواطن اليوم وليس غداً ولا يمكن أن تقنع الناس بأن راتب المواطن في البحرين يوفر له الحياة الحرة الكريمة وأن الدولة لا تملك المال الكافي لرفع هذا المرتب ولا يمكن أن تتحدث عن تطبيق القانون في البحرين على الجميع من دون استثناء، ولسنا هنا في موقع التعريض بأخطاء ونواقص الجميع في بلادنا يعرف عنها ويتداولها الصغير والكبير ولكن الغريب من البعض الذين من المفترض بمثلهم بدلاً من أن يعملوا على تحكيم العقل وصياغة الوعي عند الناس فإنهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون يزيدون الأمور سوءاً حينما يسايرون الخطأ والخلل بل ويضعون اللوم على المواطن المسكين وهي حالة من "المزايدات" التي لا تخدم الوطن وليس لها مكان في عالم اليوم، ويستغرب المرء ممن يكتبون والقلم أمانة ينبغي أن يوظف في خدمة العقل والعلم والمعرفة وليس من أجل التجهيل والتعمية وقلب الحقائق حتى وإن حاول البعض أن يغلفها بالحرص على الوطن وسلامته أو الحرص على تطبيق القانون، وربما يتذرع البعض بأننا في عصر الرأي والرأي الآخر وكل يعبر عما يؤمن به وهو صحيح ولكن في نفس الوقت فإننا بحاجة إلى أن نتعرف على أي قضية نريد الخوض فيها من خلال طرفي النزاع إن صح هذا التعبير أو من خلال الإلمام بمختلف التفاصيل أما أن نخوض فيما لا نعلم فهذا يعبر إما عن جهل وإما عن أهواء فاسدة وفي كلا الحالتين فإن هذا النوع من التفكير لا يخدم الحقيقة وبالتالي لا يفيد الوطن ولا الناس، كما إن هذا النوع من التفكير يسئ إلى الوطن والناس مهما حاول أتباعه أن يظهروا أنفسهم بمظهر المدافع المستميت عن مصالح الوطن والمواطنين، وهذا النوع من أصحاب التفكير هم أشبه بالأحمق الذي يريد أن ينفعك فيضرك أو ممن يحمل الجهل المركب وفي كل الأحوال نعوذ بالله من هذه الحالات التي تحتاج إلى علاج نفسي ومعنوي حتى لا تنقل أمراضها النفسية وأهوائها المريضة إلى الناس.

 

إن العقل نعمة كبرى من نعم الله عز وجل وعلينا أن نوظف هذه النعمة توظيفاً يضمن لنا الارتقاء بأنفسنا وبمجتمعنا من أجل الأفضل والأكمل واختتم مقالي هنا بكلمات معبرة للإمام موسى ابن جعفر الكاظم من أبناء رسول الله أرجوا أن نتأمل فيها جميعاً حيث يقول عليه السلام مخاطباً أحد أصحابه: "من سلّط ثلاثاً على ثلاث فكأنّما أعان هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه فكأنّما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه".
207963
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف