قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
الرؤية بين الوضوح والإرادة

في حديثنا عن صياغة الرؤية فإننا نحتاج إلى مجموعة من الإستثارات التي تحرك العقل من اجل الاستنارة بالأفكار الحية والتجارب الناجحة التي مكنت الآخرون من تحقيق الإبداع على أكثر من صعيد وبقيت حافزاً لكل طامح ومتطلع للارتقاء بواقعه في ساحة التنافس والتحدي التي يشهدها عالمنا اليوم ومن هذه الإستثارات العقلية:

 

أولاً: لا شك أن أحد العوامل الرئيسية في الانطلاق نحو مستقبل أفضل لأي مجتمع هو وجود رؤية واضحة ليس فقط لدى القائمين على ذلك المجتمع وإنما لدى الناس أيضاً حتى يتمحور الجميع حول تلك الرؤية ويتحول المجتمع إلى كتلة متماسكة من أجل العمل على انجاز معالم تلك الرؤية على أرض الواقع، ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون وجود أرضية الشراكة التي تحقق للناس القدرة على صياغة واقعهم السياسي والاقتصادي والأمني والصحي والتعليمي وكل ما يرتبط بشئون حياتهم، وهذا ما يحول الرؤية إلى برنامج عمل يومي عند الناس في مختلف مواقعهم فيعرف كل مواطن ما هو المطلوب منه وما هو الواجب عليه فينتظم المجتمع في أداء دوره متكاملاً فلا يرى نفسه منفصلاً عن الدولة ولا ترى الدولة نفسها منفصلة عنه، فلا تكون هناك أولويات واضحة عند الدولة ولكنها مبهمة وغامضة عند المواطن ولا تكون هناك خطط ومشاريع لا تضع المواطن في مقدمة أولوياتها وهكذا، إذ أن الإنسان هو محور هذه الرؤية وبمعنى آخر أن نعمل على حفظ كرامة الإنسان واحترامه واستثارة عقله واستنهاض طاقاته ليس من خلال الشعارات أو سن القوانين التي لا قد لا يجد بعضها تطبيقاً على أرض الواقع وإنما من خلال بناء دولة القانون والمؤسسات التي تقوم على أرضية التكافؤ في الفرص وتوفير المناخات والأجواء التي تكفل للمواطن العيش الكريم والحياة المستقرة فلا يرى نفسه مغبوناً في حقوقه المعيشية أو السكنية أو السياسية أو الاجتماعية وهكذا وربنا عز وجل يقول: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" [الإسراء : 70]، وهذا التكريم الإلهي إذا ما استوعبنا معانيه العظيمة هو مادة حية لكي تكون أرضية نبني عليها نظمنا السياسية والأخلاقية، ومن باب المفارقات أن البر والبحر يمثلان معاناة حقيقية للناس في بلادنا ولذلك فإننا بحاجة إلى إعادة النظر في هذه القيم القرآنية السامية "كرّمنا" فهل ارتقينا بكرامة المواطن، و"حملناهم" فهل استطعنا أن نجعل بلدنا يحمل جميع مواطنيه وكما في قول مأثور عن تيجان صلاح وهو أحد شعراء جامبيا ومسئول اقتصادي في البنك الدولي "قل لي ما فائدة مركب الدولة إذا لم يكن الجميع على ظهره؟"، ثم "ورزقناهم" فهل عملنا على أن نضمن لهم رزقاً كريماً من خلال الوظيفة والدخل الكريم، وأخيراً "فضلناهم" فهل للناس الأفضلية والأولوية في سياستنا وتفكيرنا وتخطيطنا؟، وهي أسئلة مشروعة يمكن أن يجيب عنها الناس حسب ميولهم ولكن الجواب الحقيقي يكمن في الواقع الذي يعبر عن نفسه وتتحدث عنه الأرقام والحقائق وهي كثيرة لسنا هنا في معرض سردها وإنما لكي نستثير العقل من دون ضغط أو تأليب وعلى العقل والعقلاء أن يجيب على هذه التساؤلات المشروعة بما يملي الضمير والوجدان خاصة ونحن بصدد صياغة الرؤية الواضحة من دون تشويش أو تلميع أو تمجيد.

 

ثانيا: من المعلوم أن الرؤية تعني فيما تعني كيف نرى أنفسنا بعد عشر سنوات مثلاً أو أكثر من ذلك ولكن هذا لا يكفي لتحقيق الرؤية وإنما ينبغي أن نحدد كيف نريد أن نرى أنفسنا، ذلك أن الإرادة عامل رئيسي في تحقيق الأمنيات والتطلعات وهي ما نحتاجه في كل مفاصل البناء والتنمية إذ لا مكان للتمنيات في الحياة ما لم تستند إلى إرادة تعمل على تحويل التمني إلى واقع يمشي على رجليه وربنا عز وجل يقول: "إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا" [الإسراء : 7]، ولكن الإرادة لوحدها لا تكفي ما لم تحصن برؤية واعية وترشد من خلال صياغة الروح الجمعية التي تعمل على تكتيل وتجميع الإرادات جنباً إلى جنب بعيداً عن التمييز والتفاضل تحت مسميات تجاوزها العالم المتقدم في عصرنا وقبل ذلك عالجتها قيم ديننا الذي استطاع أن يجمع الناس بعيداً في دائرة واحدة بعيداً عن انتماءاتهم في اللون والجنس واللغة والجغرافيا وما أشبه.

 

إن الإرادة المحصنة بالرؤية الجمعية والتي تعني أن الناس شركاء متساوون حقاً من الممكن أن تجترح لنا المعجزات كما نهضت مجتمعات مهزومة وربما مسحوقة في ظل حروب هوجاء ولكنها نهضت من تحت الرماد كاليابان وألمانيا وهما اليوم على رأس واقع عالمي لا يمكن لأحد تجاهله فيما يرتبط بما وصلوا إليه وكما استطاعوا هم وغيرهم يمكن لنا أن نصل إلى أبعد مما وصلوا إليه ولكن ذلك يبقى رهينا بما لدينا من استعداد كاف تصدقه معطيات كافية وجادة على صعيد الواقع ونسأل الله أن يتم ذلك وما ذلك على الله بعزيز.

والله من وراء القصد.

212913
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف