قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
من المسئول عن ضياع الرؤية؟

في عالم متغير أصبح فيه الجزء من الثانية الواحدة يمثل ثمناً كبيراً قد يغير معادلات قائمة خاصة فيما نراه في عالم الاقتصاد والتكنولوجيا والفضاء فإننا بحاجة أن نواكب هذا العالم وإلا فإننا سوف نعيش خارج عالمنا وهذا يدعونا إلى أن نمسك بالزمن بحيث نكون قادرين على استثمار الفرص التي تمر علينا وذلك بالاستعداد لهذه الفرص قبل مجيئها وهو ما يقال عنه استشراف المستقبل في عالم اليوم، وهو أيضاً ما يميز الدول المتقدمة عن غيرها حيث إنها تعمل على صناعة الفرص وهو أمر يحتاج إلى التأمل وأخذ الدرس والعبرة كما أنها لا تنتظر الفرصة إلى أن تصل إليها وإنما تسابق الزمن لكي تكون على أتم الاستعداد للاستفادة من الفرصة إلى أبعد الحدود.

 

ولكن كل ذلك متوقف على وجود الرؤية عند هذه الدولة أو تلك ذلك أن الرؤية هي بمثابة البوصلة التي تعمل على ضبط إيقاع المسيرة التنموية في أي بلد ولكي نحقق وجود رؤية فنحن بحاجة إلى أمرين مهمين:

أولا: أن نعرف ماذا نريد وثانياً: أن لا نخجل من كوننا أخطأنا أو أننا لا نعرف أو أننا بحاجة إلى أن نستمع أو أن نتعلم من الآخرين، وهذان الأمران مجتمعان إضافة إلى عوامل أخرى قد يخرجونا من حالة الدوران في حلقة مفرغة أو حالات التخبط التي نعاني منها على أكثر من صعيد، ومما يلفت النظر وجود بعض المحاولات التي سلطت الضوء على قضايا محورية في بلادنا وأعني ورشتي العمل التي أشرف عليهما ولي العهد شخصياً إحداهما كانت حول إصلاح سوق العمل والأخرى كانت حول مخرجات التعليم وكانت الورشتين بمثابة وضع اليد على عناوين حاسمة لها تأثير كبير على الواقع السياسي والاقتصادي والتنموي، ولكن كما يبدوا وبعد مرور ما يقارب الأربع سنوات على عقد هاتين الورشتين فإن الأمور تراوح مكانها ولا تعكس التصريحات والتغطيات الإعلامية الرسمية الواقع الحقيقي لأزمة العمل والتعليم في البحرين الذي عبر عنه ولي العهد بـ"كارثة" ، ولا يمكن تغطية حالات الإخفاق والفشل التي نعاني منها وهو يعبر بشكل صريح عن فقدان الرؤية الإستراتيجية التي كان من الممكن أن تتبناها الورشتان وعلى ضوء ذلك يتم التعاطي مع الأمور بطريقة جادة وحاسمة بدلاً من إلقاء اللوم على المواطن المتهم إما بأنه "كسول" أو أنه غير "متعلم" لا يوجد عنده كفاءة لكي يستلم مكان أصحاب الخبرة والكفاءة الأجانب.

 

إن عدم وضوح الرؤية فيما نريده لبلادنا هو ما يوصلنا إلى التخبط فهل نحن بلد سياحي أم أننا بلد زراعي أم أننا بلد اقتصادي أم صناعي أم أننا نمثل كل ذلك؟، إن وضوح الأمر عند الناس يدفعهم لإعداد أنفسهم لكي يتخذوا المسار الذي يناسب تطلعاتهم وطموحاتهم ضمن الواقع الممكن وليس ضمن ما يحلمون به ولذلك ترى تردداً وقلقاً واضحاً في اختيار الطلاب لمساراتهم الدراسية سواء أكانوا على أبواب المرحلة الثانوية أو في اختياراتهم الجامعية مما قد يجعلهم يخسرون سنة دراسية ثمناً لخطأ الاختيار والتقدير في التوجه الدراسي وربما حتى الكثير من العوائل لا تستطيع أن تقرر لأبنائها نتيجة للوضع نفسه وهو ماذا نريد؟ ، فلا يكفي أن تفهم الحكومة ماذا تريد إذ أن السياسة الحكومية ينبغي أن تكون على درجة من الوضوح بحيث يفهم المواطن كيف يحدد توجهاته ودراساته وإعداد مستقبله حتى لا يبقى متسكعاً أو عاطلاً أو موظفاً محدوداً.

 

كان يمكن أن تكون الورشتان حول إصلاح العمل ومخرجات التعليم مدخلاً مهماً لإصلاح السياسات الحكومية على أكثر من صعيد ويشكل ذلك فرصة كبيرة للدخول في مرحلة جديدة من تفكير نوعي يقود إلى صياغة رؤية تؤسس لعمل مؤسساتي بعيداً عن الارتجالية وعدم التركيز ولكن لا يبدوا أن الأمور أخذت مسارها الطبيعي وبقيت الأمور مجرد حبر على ورق وضمن مكدسات الأرشيف بعيداً عن التطبيق والتحقيق.

 

إن العالم المتحرك بسرعة لا ينتظرنا والزمن لن يتوقف عندنا فقد كان بالإمكان عمل الشيء الكثير وتحقيق الأفضل فيما لو تم العمل بشكل جدي ومتابعة هذا النوع من العمل وهذا النمط من التفكير ولكان بالإمكان أن نكون قد نجحنا في وضع الحلول على الأقل لبعض من أزمات المواطن التي يعاني منها وكان بالإمكان أن نجعل أنفسنا قادرين على الاستعداد للمستقبل، فليس عيباً أو نقصاً أن نعترف بالنقص أو الخطأ وجلّ من لا يخطئ ولكن من الجهل أن نكابر وبكل إصرار على عدم وجود الأخطاء والعثرات والنواقص ونبقى نتحدث عن رؤية ولكن من دون وجود واقعي لهذه الرؤية وفي ذلك ظلم كبير بحق الوطن وأبنائه.

 

إن العمل بحاجة إلى متعلمين والعلم بحاجة إلى عاملين وكلاهما يعملان على صياغة وعي قادر على وضع رؤية راشدة تقود مسيرة التنمية والإصلاح والبناء من أجل مصلحة البلاد والعباد وصدق ربنا عز وجل حيث يقول: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" [الزمر : 9].

ونحن بحاجة إلى نمط من التفكير يدرك أهمية القدرة على ضرورة وجود الانسجام بين العلم والعمل للوصول إلى تكامل في الفكر والأداء وهو ما تحتاجه بلادنا للانطلاق إلى المستقبل بإذن الله تعالى.

والله من وراء القصد.
212913
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف