قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
وطن بلا رؤية

لا يمكن لأحد أن يتجاهل أو يتغافل عن الوقائع التي تتحدث عن نفسها في بلادنا وليس ممن الممكن أن تستمر عمليات "التعمية" على ما يحصل من تجاوزات أو إخفاقات، كما إنه لا يمكن لعمليات "التلميع" للواقع في بلادنا من أجل الرد على أن ما يقال عن مساوئ وأزمات نعاني منها ما هو إلا مجرد تهويل أو مبالغات، فالحقيقة أننا بحاجة إلى وقفة جادة وصادقة لكي نقول أن البلد تفتقد إلى "رؤية" تقود العملية السياسية وأن هذا الأمر خطير وأخطر منه السكوت عليه، لأن التخبط في السياسات على أكثر من صعيد يعزز هذه الحقيقة ويدفع البلاد من فشل إلى أسوأ، والأمر ليس بحاجة إلى شواهد فقد أصبحت الأزمات في بلادنا على لسان الكبير والصغير وإن شئت "موالاة" و"معارضة"، وليس غريباً أن يصل الفساد حتى إلى سرقة "المقابر" وحسد الأموات حتى على قبورهم المحدودة بعد ابتلاع أراضي الأحياء أمام نظرهم، كما أنه ليس بالغريب أن تصل مخصصات الدفاع والأمن إلى ما يعادل 37 جهة حكومية  في بلد لا يشكو من الحرب أو الدخول فيها.

 

إن الفارق بين الأنظمة السياسية غالباً ما يكمن في "الرؤية" المعتمدة لنقل البلد من مرحلة إلى أخرى ولذلك تتحدث الدول عن نفسها بعد عشرين سنة مثلاً من خلال تخطيط مدروس وتحديد واضح للأولويات، ولكننا نفتقد هذا في بلادنا إذ أن من يتابع الأوضاع يرى أننا ضيّعنا الزراعة خلال السنوات الماضية وذلك لعدم وجود رؤية بهذا الاتجاه ولكن ذلك لم يكن في صالح الصناعة مثلاً أو التنمية، كما ضاعت السواحل الجميلة ولكن ذلك لم يكن ضمن رؤية واضحة، وتمت عمليات تجنيس ولم يكن ذلك أيضاً ضمن رؤية واضحة، ولو بحثت على أكثر من صعيد فسوف ترى أن الأمور في بلادنا من دون رؤية، ولذلك تتحدث الأزمات المتلاحقة في بلادنا عن نفسها بكل وضوح من فقر وبطالة وسكن وما أشبه، ولذلك فإنه من الطبيعي أن تولد هذه الأزمات حالة من القلق والهواجس والتذمر عند الجميع لا فرق إن كان ذلك عند الطرف الحكومي أو الشعبي وكل طرف له وجهات نظره التي يسوقها من أجل أن يبرر ردود الأفعال التي تصدر منه ويقوم كل طرف بتوجيه الاتهامات إلى الآخر.

 

إن بناء الوطن القوي والنظام السياسي القوي لا يمكن أن يحصل إلا من خلال أسس عقلية وواقعية أيضاً ولا بد أن يعتمد على منظومة من القيم الصالحة التي تؤسس لحالة إنسانية في التعامل والتعاطي بين مكونات الوطن فلا يرى البعض نفسه لا سيداً ولا "سيادياً" ولا وصياً ولا "مفضلاً" ولا "مأثوراً" دون الآخرين فالناس سواسية كأسنان المشط كما يقول الرسول الأكرم سيدنا محمد، وهذه الأسس هي من يضبط إيقاع العمل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي فمن خلال التنافس ومبدأ تكافؤ الفرص والعمل الجماعي يمكن كسب المستحيل والانتصار على أصعب التحديات وصناعة الفارق الذي يفصل بيننا وبين المجتمعات المتقدمة ليس من أجل اللحاق بها فقط وإنما حتى كسب التحدي والتفوق أمامها، أما أن نبقى ندور في فلك الأزمات "الفاعلة" و"المفتعلة" ونعيش على تأجيج المشاعر وإثارة الكراهيات والأحقاد وبدلاً من التقريب نعمل على اعتماد حالات "التصنيف" و"التقسيم" فإن هذا ليس من العقل في شئ ولا من الحكمة ولا حتى من السياسة إذا ما قارنّا هذه السياسة بمثيلاتها في مجتمعات نهضت من تحت الرماد وتحولت إلى مجتمعات عظمى في ظل الصراع العالمي الدائر في عالم السياسة والاقتصاد والتنمية.

 

إن الأولويات في بلادنا هي ما تحدده حاجات الناس والمواطنين وليس حسب ما يراه البعض، ولذلك فإن المواطن ينبغي أن يكون شريكاً ليس في ما يقرر له وإنما في تحديد ما يحتاجه قبل ذلك حتى لا يكون المواطن في موقع من لا خيار له فإن قبل فهو مغلوب على أمره وإن رفض فهو "متمرد" وخارج عن بيت الطاعة وهنا تكمن أخطر المشكلات في بلادنا، ففي ظل غياب الرؤية المبنية على هذه الحقيقة وهي أن المواطن شريك أساسي في الوطن فإننا نرى أن البعض قد يرى أن الوطن بخير وأن التنمية والاقتصاد كذلك والدليل هو هذا الحضور العمراني من مرفأ مالي وبنايات فارهة ومخططات مرفهة ولا وجود لأزمات، بينما يرى المواطن نفسه غريباً في وطنه بلا ساحل يقف عنده ولا أرض يسكن عليها ولا وظيفة يعيش من خلالها ولا "مرتب شهري" يعينه على مواجهة صعوبات الحياة ولذلك فإن المواطن قد لا يرى في كل ذلك شيئاً يعنيه لأنه ببساطة لا يرتبط به لا من قريب ولا من بعيد.

 

إن التمجيد وإطلاق عبارات الثناء والمدح قد يعطون انطباعاً حسناً لمن لا يعرف الحال أو لمن  لا يريد أن يعرف ذلك وقد يكون حلاً لمشكلة ذهنية عند البعض، ولكن الأكيد أن كل ذلك لا يغير شيئاً من قسوة الحقيقة التي ينطق بها واقع الحال في بلادنا وهي تعبر عن نفسها بصور متعددة على أكثر من صعيد، وسواء اتفقنا مع ذلك أو اختلفنا فإن المشكلة لا تكمن في ذلك وإنما في جانب استراتيجي ومصيري بالنسبة لنا وهو فقدان النظام السياسي للرؤية وطالما لا توجد رؤية فإن الوطن سوف يبقى عاجزاً ليس فقط فيما يرتبط بعملية التنمية والتغيير وإنما حتى في احتواء أبنائه ومواطنيه.

والله من وراء القصد.
207797
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف