قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
شيء من السياسة والإسمنت

الأزمات التي تطل برأسها بين فترة وأخرى في بلادنا تكشف عن مواضع خلل في السياسات المتبعة على أكثر من صعيد، وهو ما يحتاج إلى إعادة النظر في هذه السياسات ومعالجة الأخطاء من خلال وضع دراسات جادة بعيدة المدى تعتمد مبدأ الشفافية وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة التي تعج بها السياسات الحالية، إذ ليس من المعقول ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين أن تصل الأمور إلى درجة أن يكشف "الإسمنت" عن أزمة تستوجب تدخل الجهات العليا في الدولة لحل المشكلة التي تركت أثراً على أكثر من صعيد في بلادنا.

 

ولكن أكثر ما لفت نظر المتابعين هو الحديث عن "الاحتكار" لمواد البناء وضرورة كسر هذا "الاحتكار" حتى وصل الأمر إلى درجة أن تنقل الصحافة هذا الأمر كما جاء في جريدة الوقت البحرينية "وبناء على توجيه ولي العهد قال وزير الصناعة والتجارة حسن فخرو إن باب تأسيس شركات استيراد مواد البناء مفتوح على مصراعيه لمن يرغب في ذلك ولن يكون هناك أي احتكار في البلاد لهذه المواد"*1، وإذا كانت المشكلة ترتبط بالاحتكار فمن هو الطرف "المحتكر" لهذه المواد ولماذا وصل الأمر إلى هذا الحال وأين الرقابة والشفافية؟، ثم أين السياسات المستقبلية المدروسة التي تعتمد عليها الحكومة لكي تستشرف المستقبل وتعالج الأمور قبل تفاقمها وهل يعقل أن يصل الحال في بلادنا إلى هذا الوضع الذي نجد أنفسنا في مضطرين إلى استيراد الاسمنت بنسبة 70% من السعودية و17% من الإمارات!.

 

من جهة أخرى تحدثت تقارير صحفية موثقة بالأرقام والإحصائيات عن "دفن 16 كيلو متراً من البحر في 5 أعوام وأوضحت هذه التقارير أن المساحة التي صدرت التراخيص لردمها تقدر بـ16 مليوناً و156 ألفاً و5,19 متر مربع، أي ما يعادل 16,16 كيلومتر مربع، أغلبها لمشروعات، يقوم عليها القطاع الخاص وأفراد"*2، والأسئلة  التي  تتبادر بطبيعة الحال إلى أذهان المواطنين في بلادنا هو أين ذهبت هذه الكيلومترات من الأراضي وفي جيب من؟، وهل ساهم الدفن في حل أزمة الإسكان المتفاقمة أم أن التخطيط هنا غائب أيضاً؟ أو أن الأمر كما هو في حالة أزمة "الاسمنت" يرتبط بالاحتكار والاستئثار أيضاً؟.

 

أن تعاني أي دولة في العالم من أزمة حتى الدول المتقدمة منها فهو أمر يحصل ولكن الفرق هو طريقة التعاطي مع الأمور وهو ما يصنع الفارق بين "التنمية" و"التخلف"، لأن أساس الأمور دائماً يرتبط بالرؤية التي ينطلق من خلالها المجتمع الذي يشكل الدولة وكلما كانت الرؤية واضحة وصادقة وجادة وتمثل حالة اجتماعية يشارك فيها كل أبناء المجتمع كلما كان ذلك يمثل ضمانة للتقدم والتنمية، وما نعاني منه في بلادنا هو غياب هذه الشراكة في القرار فالمواطن في بلادنا بعيد جداً عن مواقع القرار ومهما حاول البعض أن يبرر أو يغالط الوقائع والحقائق على صعيد الواقع فهو واهم ولا يخدع إلا نفسه والأمر بحاجة إلى تحكيم العقل والمنطق واعتماد الحكمة في تبني القضايا بدلاً من اعتماد التبرير والتزلف والتملق بلا طائل لأن ذلك لا يبني وطناً ولا يؤسس لتنمية حقيقية وإنما يكرس حالة القلق والخوف والجوع وهو ما يؤدي إلى عدم تولد الثقة واحتقان المشاعر والنفوس بلا طائل وبما لا يعود على المجتمع بالأمن والاستقرار والطمأنينة.

 

إن بناء الشراكة بحاجة إلى تضحيات كبيرة تعتمد على الصدق والحب والثقة والتناصف والتقاسم بدلاً من الاستئثار والاحتكار والاستحواذ وهو ما أشار إليه الرسول الأكرم نبينا محمد عندما قال: "الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار" ومن الطبيعي أن ليس من السهولة أن يصل الناس إلى هذه النتيجة من دون مقدمات وهي ما ذكرناه عن التضحيات التي ينبغي على الجميع أن يبذلها وخاصة من بيده "الحل" و"العقد"، ولنا في تجارب الشعوب والمجتمعات رؤى وبصائر علينا أن نتعلم منها كما قال رسول الله: "في التجارب علم مستحدث" لكي نصل إلى ما وصلوا إليه في عالم اليوم الذي يثبت يوماً بعد آخر أنه لا يمكن الوقوف أمام السنن الكونية لأنها قضايا ربانية أسسها خالق الكون عز وجل من عمل بها ارتقى ومن وقف خلافها متصادماً معها تخلف إلى الوراء وصدق ربنا عز وجل حيث يقول: "فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً" [فاطر، 43].

 

إن العلاج الناجح والتعاطي السليم مع الأزمات ليس بتدويرها كما يقولون ضمن قاعدة "تدوير الأزمات" وليس من خلال "تعويمها" وليس من خلال سياسة الهروب إلى الأمام فكل هذه الأمور ليست أكثر من "ترقيع" أو ربما "تخدير" مؤقت آثاره قد تكون وخيمة ومدمرة ولكن الحل يكمن في علاجات جذرية حقيقة تعني بأن يشترك الناس في بناء وطنهم ويرسمون في تطلعاتهم وطموحاتهم بعيداً عن التهميش والإقصاء وإلا فليس من المعقول أن نتغنى بالمواطن اسماً ولفظاً وشكلاً ولكن في حقيقة الأمر يرى المواطن نفسه أنه لا يستطيع أن يمسك في وطنه لا بالرمل ولا الماء ولا "الاسمنت" ولا قرار  فلا أرض له ولا ساحل ولم يتبق له غير الهواء الذي ربما لحد الآن لم يصل إليه "الاحتكار" وهو ما يخشاه المواطن يوماً لا سمح الله.

والله من وراء القصد.

1- جريدة الوقت البحرينية العدد 844 - 13 يونيو 2008.
2- جريدة الوقت البحرينية العدد 847 - 16 يونيو 2008.
207796
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف