قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
في مناظرة "الوسط" عن حسابات المقاطعة: معطيات المرحلة الحالية أفضل من 73 ولكن التعديلات الدستورية تعوق
صحيفة الوسط - « خليل عبد الرسول » - 26-10-2002م | 2:09ص
سماحة العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
العلامة المحفوظ - أرشيف

صحيفة الوسطشهد يوم أمس الخميس الرابع والعشرون من أكتوبر/تشرين الأول معركة انتخابية حامية في البحرين لانتخاب مجلس نيابي بعد غياب دام ثلاثة عقود، وربما أن حمى وطيس هذه المعركة قد تعدى فعلياً المنافسة الاعتيادية إذ طغى على الساحة والمؤتمرات الصحافية الرسمية الجدل الحاد عن المشاركة والمقاطعة للانتخابات.
وفي آخر مناظرة تنظمها "الوسط" عن جدلية المشاركة في الانتخابات النيابية نستضيف في "منتدى الوسط" شخصيتين وطنيتين هما رئيس جمعية العمل الإسلامي تحت التأسيس(مقاطعة) الشيخ محمد علي المحفوظ وعضو مجلس إدارة جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي(مشاركة) عبد الجليل النعيمي، وذلك لمناقشة حسابات المقاطعة، إذ يختلفان في الموقف من المشاركة في الانتخابات بينما يتفقان على ضرورة احترام كلا الرأيين وأنهما يمثلان اجتهادين لتقدم البحرين وخدمة المواطنين... وفيما يلي نص الحوار الذي تم قبل أسبوع تقريبا من اليوم.

 


هناك من يعتقد أنّ الجمعيات المقاطعة للانتخابات سينتهي دورها في يوم الإعلان عن نتائج الانتخابات لأنها لا تملك برنامجاً للتغيير ولا حتى السلطة والقوة في ذلك، بينما الحكومة ماضية في مشروعها وبقوة، فما هو تعليقكم على ذلك؟


المحفوظ: أنا أختلف معك في ذلك تماماً، فقد بدأت الحياة الديمقراطية بوجود الرأي الآخر خصوصاً إذا كان هذا الرأي يمثل اتجاهاً إيجابياً في تعزيز الحال الإصلاحية والانفتاحية والديمقراطية، فلو لم توجد الجمعيات المقاطعة لكان حريّ بالمجتمع أن يقوم بإيجاد هذه الجمعيات...ذلك لأنّ الديمقراطية تعني اختيار الناس وحرية تعبيرهم عن آرائهم بلا خوف، إذ يتساوى في ذلك من يقول "نعم" مع من يقول "لا"، فالـ"لا" لا تعني السلب بقدر ما تعني الـ"لا" والـ"نعم" معاً حالة إيجابية ما دامت النيات صادقة، وكما هو معلوم فإنه لا يمكن الحكم على النيات.
ونحن إذ ننتمي إلى حضارة ودين الإسلام نرى أنّ الـ"لا" تعزّز الإيجاب ولا تعزّز السلب ولاسيما في المجتمع الموحد، فعندما نقول "لا إله إلا الله" فالـ"لا" هنا إيجابية وفي كثير من الأحيان تكون كذلك.


والمشكلة في مجتمعاتنا أنّ حال التخلف والاستبداد اللتين سادتا في كثير من المجتمعات العربية جعلت النظرة إلى الـ"لا" أو إلى الرأي الآخر بتعبير أدق الشيء السلبي، وهذا تصور خاطئ فلندع الناس تفكر كما تشاء وكما تريد بلا خوف ولا قلق ولا قيود...فعندما يقولون "نعم" أو "لا" فهم يعبرون عن قناعاتهم، وهذه هي الديمقراطية وفي الإسلام نفهمها بأنه "لا إكراه في الدين" (البقرة – 256)، وذكر "لست عليهم بمصيطر" (الغاشية – 22) أو في معانيها الغربية باعتبار أنّ المعارضة تمثل الرديف المباشر للحكم فهي تسدد وترشد وتوجه.


وبالتالي فإنني أستغرب من طرح هذا السؤال فالجمعيات المقاطعة بدأت البرنامج الوطني حين ساندت الحركة الإصلاحية من خلال دفع المجتمع بأن يساهم في الإصلاح عبر قناعاته، فالمرحلة الإصلاحية بدأت بإطلاق سراح المسجونين وعودة المبعدين ورفع قيود الخوف وإلغاء قانون أمن الدولة وفتح بعض المجالات لحرية الرأي والتعبير وقد ساندت هذه الخطوات كل القوى الوطنية، ولكن الجمعيات التي قادت القوى الوطنية لاحقا اتخذت الموقف الذي تراه جمهورها الكبير ليقولوا أنّ هذه التغييرات الدستورية ليست مقبولة من قبلهم ، وبالتالي فإن الجمعيات المعارضة بدأت برنامجها عندما أعطت رأيها بكل جرأة وصراحة.


لم تسلّط السيف على المشاركين


وإذا تحدثنا عن الجانب العملي الذي يغطي التساؤل: "هل لهذه الجمعيات برنامج وطني على صعيد الإصلاح والتطوير والنهوض بمستوى الوطن والمواطن؟" فإن هذه الجمعيات وضعت تصوراتها السياسية عبر مجموعة من المعطيات منها وجود خلفية سياسية لهذه الجمعيات فهي تمتلك تاريخاً طويلاً من العمل نتيجة لوجود أعضاء يمتلكون كفاءات في الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهم ينتمون لأرض هذا الوطن ويعملون بإخلاص من أجل تعزيز الإصلاح وتحقيق الحياة الديمقراطية.


ونتيجة للمسئولية تجاه بناء الوطن والنهوض بمستوى الوطن والمواطن، وهذا طبعاً يعتمد على مصداقية المنطلقات والأداء والممارسة السياسية، إذ لا نقول أنّ البرنامج الوطني حكر على الجمعيات، وإجابة عن السؤال الذي يقول: "هل تمتلك الساحة السياسية سواء من المقاطعين أو المشاركين برنامجاً وطنياً؟" أتصور أنّ الكل قد وضع تصوراته حسب قناعاته وتوجهاته ومنطلقاته.


ونحن نرى بأن الجمعيات المقاطعة مثال يحتذى به في مسألة التعددية السياسية فهي اتخذت قرارها بقناعة ولم تسلط السيف على المشاركين بل اعتبرت أنّ الكل يمتلك الحرية في أن يقوم بما يريد.


وقد اختلفت الجمعيات مع الآخرين فيما يتعلق بالتغييرات الدستورية لأنها في الحقيقة تجاوزت مبدأ فصل السلطات، ولذلك فهي ستعمل على تمكين المواطن من الحصول على حقوقه السياسية والدينية والاجتماعية، والعمل على تعزيز مبدأ الشفافية والانفتاح وحرية الفكر والحريات العامة، المساهمة في تطوير الوضع الاجتماعي والسياسي لشعب البحرين، وكذلك الوضع الاقتصادي، ومحاربة الطائفية والتمييز.
ونرى أنّ الحكومة إذا سمحت للجمعيات كجمعيات حرة ومستقلة فيما تتخذه من قرارات حسب قناعاتها وقناعة المنتمين إليها بما يتناسب وقوانين البلاد فإنها ستدفع باتجاه ممارسة الشفافية والحرية.

 

الرأي الآخر سيبقى مطلوباً


المقاطعون حسب وجهة نظر الشيخ المحفوظ يدعمون المشروع الإصلاحي كما يدعمه المشاركون، فكيف يرى الرأي الآخر؟


النعيمي: أرى أنّ مقدمة الشيخ موضوعية وعقلانية وتصّف واقع المعارضة البحرينية بشكل صحيح، فالمعارضة ليست مجرد إفراز لهذه المرحلة بل نتيجة لنضالات تاريخية، ومهما تغيّر شكل وحجم هذه القوى السياسية وبرامجها إلا أنها سيكون لها على الدوام مساحة في الفعل السياسي في مجتمعنا، فالمسألة لا تنحصر في مسألة المقاطعة والمشاركة فقط.


وسيبقى الرأي والرأي الآخر مطلوبين من أحل توطيد العلاقات بين القوى التي تعودت على التعاون مع بعضها بإيجابية على رغم الخلافات التي بينها، وقد اختبرها الزمن فصمدت متكاتفة مع بعضها...فالاختلاف سيبقى مسموحاً به في إطار الوحدة الوطنية.


ونحن كمشاركين أوضحنا سابقا تحفظاتنا على التعديلات الدستورية، ولكننا وقبل أن نتخذ موقفنا منها ومن الانتخابات النيابية فقد راجعنا تاريخنا وتاريخ البلدان العربية وأجرينا اتصالات واسعة مع مَنْ يملكون الخبرة في هذا المجال في مصر ولبنان والأردن والكويت وفي بلدان أجنبية، كما درسنا التجارب السابقة في هذه البلدان، ووصلنا إلى قناعة وهي أنّ اتخاذ قرار المقاطعة يعتبر أسهل بكثير من قرار المشاركة، ووجدنا أنّ موقف المقاطعة يعبر عن تعبير عن نفاذ الصبر فاخترنا الطريق المحفوف بكثير من المخاطر وهي مراهنة تعني الوقوف بمسئولية أمام المهمات الملقاة على عاتقنا.


ونرى أن المشكلة لا تنحصر في وضع البرنامج بل في أدوات تحقيقه، على رغم كل المحددات التي أمامنا، ولكننا رأينا انه هناك أمامنا مساحة يمكن التحرك فيها، وبالتالي فقد طرحنا البرنامج الإرشادي لجميع المرشحين الذين يريدون أن يكونوا على خطنا الوطني.


لقد أعلنتم المشاركة في الانتخابات النيابية حتى قبل أن تبدأ مرحلة الانتخابات البلدية، فهل كانت حسابات المشاركة سهلة إلى هذا الحد؟ وهل كان هناك تنسيق بينكم وبين "رفقاء الدرب" المتمثلين في الجمعيات المقاطعة حالياً؟


النعيمي: التنسيق كان قائماً باستمرار لكن استقلالية القرار أيضاً كانت قائمة، ونحن شاركنا الجمعيات في الإعلان المشترك للانتخابات البلدية، كما أن حبل التواصل بيننا لم ينقطع لا قبل المقاطعة ولا بعدها.

المقاطعة...هل هي الأسهل؟


ذكر النعيمي أنّ قرار المقاطعة أسهل بكثير من قرار المشاركة...فهل اخترتم الطريق الأسهل؟


المحفوظ: القضية نسبية وهي ترتبط بالظرف السياسي ولا يمكن تغليب جانب على آخر فنقول أنّ من اتخذ قرار المقاطعة اتخذ الجانب الأسهل أو العكس، فلو تركنا لكل طرف أن يقول مبرراته فإننا سنجد أنها مبررات صعبة بالنسبة إلى قناعاته، وبالتالي فإنه لا ينبغي أن نعزّز رأياً على آخر.


ونحن نحترم رأي المشاركين كما نقدر رأي المقاطعين، ولا أقول هذا من باب المجاملة وإنما نؤكد من خلاله على خيار الديمقراطية الأوسع في المفهوم الغربي، ونضيف إليه أخلاق الإسلام وفضائله، فاتخاذ قرار المقاطعة ليس سهلاً فالكل كان ينتظر الاستحقاقات ليشارك وينمي وأن يدخل المجتمع في المرحلة الإيجابية التي يستحقها بعد نضالات وجهود وعذابات ودماء لكننا أصبنا بخيبة أمل كبيرة.


ومعروف بأن لدينا مشكلة سياسية عربية في الحكم وهي الانزعاج من المعارضة، وهذا لأنّ الحال السياسية في بلداننا العربية لا تكون طبيعية، فالقضية صعبة من الطرفين فالمشارك أيضاً يشترك مع المقاطع في رفضه للتغييرات الدستورية، كما أن معظم المشاركين يتفقون على أنّ هذه التعديلات الدستورية غير صحيحة ولا توفر مناخاً صحياً وديمقراطياً سليماً في المرحلة المقبلة.


وأتصور أنّ الحكومة قد صعّبت القضية على نفسها عندما اتخذت مجموعة من الإجراءات، فكان ينبغي عليها أن تدع الأمور تسير من حيث انتهت تجربة 1973م وإلا فمن المفترض حسب رأيي والرأي العقلائي والحضاري أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون فنجمع تجارب الآخرين ونضمها ونتحاور مع شعبنا حولها، ولكننا نستغرب لماذا لم يتشاور الحكم مع الجمعيات الموجودة التي تمثل قوى وطنية فاعلة والتي أثبتت جميعها النضج السياسي والتعامل الإيجابي مع المرحلة.


التغيير من الداخل


يؤمن الكثير بضرورة وجود المعارضة لكنهم يرون أنّ على المقاطعين أن يدخلوا ليغيّروا من الداخل، فما تعليقكم؟


المحفوظ: لا يوجد شك في أنّ الكل يتمنى دخول البرلمان والتغيير من الداخل، ولكن (ما باليد حيلة)...فالبرلمان الموجود ليس ما طالبت به شرائح كبيرة جداً من الناس، بل تمّ تقييد هذا البرلمان وفقا لقناعة معظم الجمعيات ومعظم المشاركين، فالإشكالية الرئيسية هي أننا قد بدأنا من نقطة بعيدة جداً عن الصورة الموجودة في برلمانات العالم، فالكل لا يختلفون في وجود مجلس للشورى لكنّ المشكلة في الخلط بين الأدوار، فالناس أرادوا شيئاً والحكم أعطاهم شيئاً آخر.


ذكر الشيخ أنّه مع الآلية الموجودة لا يمكن التغيير من داخل البرلمان، وأنتم طالبتم بمطالب الناس، ويبدو أنّكم الآن ترون أنّ البرلمان محطة لتحقيق هذه المطالب، فكيف يمكن التوفيق بين ذلك؟


النعيمي: الآلية محدودة جداً لحرية الحركة ونحن نتفق على ذلك، ولكن لا يفوتنا بأن آلية الدستور السابق أيضاً محدودة الحركة، وإنما الحكمة في قراءة الوضع بشكل صحيح، فإذا قارنا النصوص مع النصوص فهناك منغصات كثيرة، أمّا إذا قارنا الواقع بالواقع فهناك تطور إلى درجة كبيرة جداً.


فمرحلة البرلمان المقبلة تختلف تماماً عن الواقع الذي كنا نعيشه في بداية السبعينات، فلم يكن في ذلك الوقت وجود للجمعيات السياسية أو ما أسميها بصراحة - الأحزاب السياسية - التي لها دورها الفاعل في المجتمع وكان وجود الحركة العمالية والنقابات يمثل القوى الاجتماعية، كما أنّ وضع جمعيات المجتمع المدني ووضع الصحافة المحلية يختلف اليوم قياساً بما كانت عليه...فكل هذه العوامل ستشكل عوامل ضاغطة ومساعدة للتحرك من داخل البرلمان، فالبرلمان ليس هو الساحة الوحيدة، فالقوى من خارج البرلمان بما فيهم القوى التي أعلنت المقاطعة ستكون سنداً للنواب الذين يمتلكون برامج للإصلاح وهذا يطور حركة الإصلاح ولا يعيقها.


معارضة قليلة


ونحن نعرف برلمانات تتكون المعارضة فيها من شخص أو شخصين مع قيود شديدة، ولكن مع ذلك فهم يلعبون دوراً مؤثراً، فالمطلوب الآن وجود نوعية من النواب الذين سيدخلون البرلمان والخيار محدود بين المرشحين.


هناك معطيات في الساحة من وجود الحركة الإصلاحية ووجود الجمعيات وتطور الصحافة ما يحتم عليكم المشاركة، ما رأيك؟


المحفوظ: لا يختلف أحد على تغير الواقع السياسي عن فترة السبعينات في بعض الجوانب، ووجود الجمعيات السياسية التي نأمل في القريب العاجل أن تتحول إلى أحزاب سياسية، وأيضاً النقابات والاتحادات ومجال أكبر في حرية الرأي والتعبير، ولكن هذا كله يصب في خانة أنّ هذه المرحلة المتميزة تعتبر مبرراً لكي ننطلق بشكل أفضل في العمل الوطني.


فالمفترض أنّ شعب البحرين قد نضج عمّا كان عليه في فترة السبعينات وقد حصل على هذه الحقوق عبر نضالات وجهاد فدخلنا هذه المرحلة الإصلاحية وهذا مبرر كبير جداً بأن ننطلق بشكل أفضل وبثقة أكبر وليس العكس، ولكننا اليوم تراجعنا عن دستور 73، الغالبية من الاختصاصيين والناس أعطوا رأيهم أنّ هذا الدستور أقل من دستور،73 فهناك تناقض بين المعطيات وبين هذا الدستور، فعلى الأقل دعونا ننطلق من دستور73 إذا لم نكن نريد تطويره إلى الأفضل.


المقاطعة موقف سياسي


هل ينتهي برنامج المقاطعة بانتهاء انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول؟


المحفوظ: مقاطعة الانتخابات جاءت كموقف سياسي على اعتبار مرجعية دستور73 يمكن الانطلاق منها من حيث توقفت الحياة البرلمانية والدستورية السابقة، وهذا الموقف السياسي ثابت حول التغييرات الدستورية، ومن يقرأ العملية الآن يرى أن الجمعيات السياسية ليست وحدها التي اتخذت هذا الموقف وإنما شرائح كبيرة من المجتمع أيضاً وهذا يدل على حال سياسية متقدمة لدى شعب البحرين، وهذا الموقف ليس مرتبطاً بالانتخابات بقدر ما هو مرتبط بالآلية السياسية المقيدة، فالمفروض أنّ التقييد الآن يقل فهو لا يخدم المرحلة وهو سوف يربك الحال السياسية.


ويجب علينا ألا نخوّف أنفسنا من أنّ المعارضة السياسية ستعود بنا إلى المجهول أو إلى الحال السابقة فقد كانت حال سيئة ولم يكن مفترضاً أن تحدث في تاريخ البحرين، وأتصور أنّ إرباك الحال السياسية بدأت بالفعل مع المرشحين، فالآن عدد المتقدمين للبرلمان 174 مرشحاً مقابل 320 مرشحاً للانتخابات البلدية، وهذا يعطينا صورة للحركة السياسية.


وقد قلت حينها - الانتخابات البلدية - أنّ مجرد الحركة للصور واللقاءات في البيوت والمجالس والحسينيات والمراكز سوف تثري الحال السياسية لدينا، أمّا الآن فهي شبه معدومة وقد التقيت مع أكثر من مرشح ليس له التقاء مع الجمهور بينما في البلديات كان المرشحون يتنقلون في المجالس والمساجد بالناس، وإذا اعتمدنا لغة الأرقام بالنسبة للمرشحين وتفاعل الناس فهذا يعني أنّ القضية ترتبط بقطاع واسع من الناس ما سينعكس على نسبة التصويت، وأيضاً عزوف الكثير من الشخصيات المستقلة وهذا لم يترك للناخب فرصة للاختيار مع احترامي لكل المرشحين فأنا لا أنتقص من شخصية أحد، لكننا كنا نتوقع أن يصل عدد المرشحين عدد يتراوح بين 800 إلى ألف مرشح.


المجلس النيابي للناس


والسؤال الذي يطرح نفسه هو "هل يمكن تجاهل هذه الأرقام الكبيرة وعدم الاعتبار برأيها؟" والسؤال الآخر"لمن هذا المجلس النيابي؟ أليس من أجل الناس؟" فالناس قد لا يعرفون دقة القوانين لكن ينبغي أن نتعامل معهم بشفافية وينبغي أن نسأل أنفسنا هل هذا المجلس يمثل الناس أم لا؟ وإذا أجبرنا الناس على التصويت له فهذه خسارة كبرى للمرحلة، وإذا أعطيناهم الحرية - كما هي الآن والحمد لله ويجب أن نشيد بها - بأن يقولوا "نعم" أو "لا"، إذاً فالناس قالوا كلمتهم وإذا كان المجلس للناس فلماذا لا نأخذ رأيهم في الاعتبار؟


هذه هي المسألة، وليست المسألة هي الجمعيات السياسية فهي اتخذت موقفها السياسي وترى من خلال هذا الموقف أنّ التغييرات الدستورية ستجعل من المجلس النيابي المقبل معدوم الحركة، وإذا كانت الحال السياسية ما قبل المجلس النيابي مشلولة ومعدومة الحركة فكيف بالنسبة إلى المجلس النيابي نفسه؟ ولذلك ينبغي الاعتبار برأي الناس فالجمعيات لم تشذ عن رأيهم، ولا أقول أنّ كل رأي الشارع صحيح لكن لا أحد يستطيع أن يصم أذنه عن رأي الناس.


هذا المجلس هو للناس وليس للجمعيات، وهل رجعتم للناس عندما ارتأيتم المشاركة؟


النعيمي: أنا هنا أريد أن أتوجّه للناخب مباشرة، فنوعية المجلس هي التي ستحدد أن يكون المجلس أقرب إلى الناس أو لا، ومن الطبيعي أن درجة المقاطعة ومن ورائها القوى السياسية ستفقد المجلس عناصر لو كانت فيه فإنها ستعطي دفقا للعمل البرلماني، ولكن الآن يمكن للناخب إيصال المرشح الذي يمكن أن يعبر عن إرادته، ولتفادي خسارة كل شيء فإن وعي الناخب سيلعب دوراً مهما في ذلك.


ليست ميتة


ولا أعتقد أنّ الحركة الانتخابية على رغم قوة موقف المقاطعة هي حركة ميتة، بل هي في مناطق كثيرة تتسم بحيوية ومناقشة البرامج مع المرشحين، حتى أنّ بعض المرشحين أجبروا على الانسحاب نتيجة ضعف موقفهم أمام المرشحين، وأريد أن أشير إلى وجود لا مبالاة سياسية عند قطاع واسع، فالانتخابات البلدية شهدت إقبال كل الجمعيات السياسية فضلاً عن أن الدولة عبئت كل الطاقات من أجلها ومع ذلك كانت نسبة المشاركة أقل من 50 في المائة، وهذه النسبة الكبيرة التي لم تشارك لم يكن عدم مشاركتها نتيجة لموقف سياسي بل ناتج عن لا مبالاة سياسية.


والآن فإن أي نسبة ستضاف لن يكون هذا دليلاً على قوة موقف المقاطعة السياسية ولكنه يمكن أن يعزز موقف اللامبالاة السياسية عند هذا القطاع من الناس، وهنا كان من واجبنا أن نحرك هذا القطاع وأن يفعـّل لصالح تحريك الوضع الديمقراطي.


كيف نرجع إلى الناس وهناك لا مبالاة سياسية عند قسم كبير منهم كما قال النعيمي، وحتى لو ارتفعت نسبة المقاطعة فهذا لا يدل على قوة المقاطعة السياسية؟


المحفوظ: كان الأجدر بالحكم أن يعزز الثقة عند الناس ولا أرى وجودا للـ(لا) مبالاة عند الناس فربما أن نسبة قليلة في الانتخابات البلدية لم تشارك بسبب الإحباط نتيجة الوعود الكبيرة التي قيلت لهم ولم تنفذ ونتيجة للتغييرات الدستورية، وحتى بالنسبة إلى البلديات فالناس صوتوا إلى بلديات كانوا ينتظرون منها أن تكون بلديات فاعلة لكنهم فوجئوا بأنّ هذه البلديات تحوّلت إلى مجموعة من الموظفين حسب تصوري، وهذا قد يعزز اللامبالاة ولكن لا يمكن الآن الحديث عن لا مبالاة سياسية في هذه الانتخابات، فعلى مستوى النخب وشرائح كبيرة من السياسيين والحقوقيين والمشاركين أيضاً يتحدثون عن احباطات وعن قيود.


نتفق معك


وقد التقيت بخمسة من المرشحين تقريباً وكل منهم كان يقول لي أنني أتفق معك تماماً في المقاطعة وأنّ هذه التغييرات الدستورية تقيد المجلس، فإذا تكلم هذا المرشح مع الناخب ماذا سيقول له؟ هنا يتوقف الناخب لأنه سيسمع الكلام نفسه، ولا يمكن أيضاً أن ندعي أنّ كل الشارع يفهم في قضايا الحقوق والدستور ولكن لا يمكن للمشارك أيضاً إذا كان ناضجاً وواعياً أن يدعي عكس ذلك ويعطي الآمال للناخب.


وفي الانتخابات البلدية أعطى المرشحون الناخبين الشمس في يد والقمر في يد أخرى، وكان عندهم حلم سياسي، وقلت حينها دعوهم...فالناس في زمن الحرية والإبداع وليد الحرية، وسيفكر الناخب أنه على مستوى رئيس وزراء وأنه يحقق للناس الأماني الجميلة وبعضهم تحدث بخطاب سياسي، والآن عندما تتصفح أي ملصق أو برنامج لا تجد هذه الآمال فتشعر أن المشارك نفسه محبط، وليست القضية قضية رشد أو نضج، أتصور أن القضية قضية علمية وواقعية وأنا أتألم بلا شك لذلك لكن (ما باليد حيلة).


وشعبنا اليوم واعٍ، وإذا كانت هناك بعض التصرفات مثل تمزيق الصور فهذه التصرفات ليس من اللازم أن نعيرها ذلك الاهتمام، فيجب أن نثق في شعبنا، ويجب علينا أن لا نخاف فالجمعيات السياسية ومن يتماشى معها في قرار المقاطعة حريصون إلى عدم التصرف بأي سلبية، وحتى الآن على رغم بعض التصرفات إلا أنني أتصور أنّ شعب البحرين يمثل حالة حضارية متقدمة في التعامل مع القضية.


رفض لإرباك الحال الأمنية


إرباك الحال السياسية لا يؤدي بالضرورة إلى إرباك الحال الأمنية، فهل هاجس عودة العنف موجود لديكم؟


النعيمي: أحيي دعوة نظيري ودعوته إلى التقيد إلى أبعد الحدود بالضوابط التي لا تسيء إلى أي من المرشحين أو المشاركين والعكس أيضاً مطلوب، فلا ينسى أحد دور الشيخ علي سلمان (رئيس جمعية الوفاق الوطني الاسلامية) في توجيهاته السديدة في هذا الاتجاه ولكن المحذور يبقى قائماً بسبب روح المقاطعة ويجب أن نتعاون مع بعضنا ومع مَنْ يرتكب مثل هذه الأعمال فغالبيتهم من الصبية، وهذا مهم جداً ومن الضروري أن لا نسمح للوضع بأن يصل إلى حال غير قابل للسيطرة عليه بأي حال من الأحوال، فهذه مسئوليتنا كقوى وطنية وهي أكبر من مسئولية الدولة.


وأما فيما يتعلق باللامبالاة السياسية فهي موجودة حتى قبل الميثاق وذلك العهد هو الذي ولـّد ذلك العزوف، وعلينا أن نغير آخر، فلسنا في مرحلة النضال السلبي التي كنا نعيشه قبل الميثاق، فنحن في النضال الإيجابي بما في ذلك تقييم الإصلاح.


أفق التعاون بين المقاطعين والمشاركين


ما مدى إمكان التعاون بين المقاطعين والمشاركين قبل أو بعد الانتخابات؟


النعيمي: أعود إلى يوم المؤتمر الصحافي الذي أعلنت فيه الجمعيات الأربع عن قرار المقاطعة، وذلك اليوم تحدث الشيخ علي سلمان بوضوح وقال: إن تحالف المعارضة في جمعياته (الست) قبل إعلان قرار المقاطعة أو المشاركة يجب أن يبقى ويستمر ونحن ندعم هذا الموقف ونعتبر موقف القضية من المشاركة أو المقاطعة موقفاً عابراً، وأريد الإشارة إلى أننا لم نلجأ إلى بلورة تحالف في موازاة التحالف الرباعي فنحن نلتقي مع الكل ولم نعمد إلى بلورة جبهتين للمشاركة والمقاطعة، ولن نفعل ذلك بل ستبقى عيوننا على تأكيد مسألة الوحدة الوطنية.


المحفوظ: أتصور أن المشاركين والمقاطعين هم أخوة وأبناء بلد واحد والعلاقات الموجودة حتى لو كانت هذه الفترة هي محطة تاريخية مصيرية، ومع ذلك ليس هناك من شك أنّ المقاطعين والكثير من المشاركين يتفقون بشأن التغييرات الدستورية وهذا سيسبب إرباكاً في الآلية السياسية - إذا صح التعبير- في المرحلة المقبلة وأرجو أن لا يكون هناك تعصب، فلكل طرف رأيه كما يجب ألا تكون هناك مزايدات، فواضح أن الآلية السياسية في العمل السياسي ستكون صعبة ويجب أن لا يكون هناك نوع من التشمت أو التشفي وإنما يكون الاقتراب أكبر.

التعاون مبدأ إسلامي وحضاري


أما مسألة التعاون، فإذا كانت الروح الرياضية مطلوبة في ملعب كرة القدم وما من شك أن السياسة حاكمة على الرياضة على الأقل، وحسب وجهة نظري فإنه يجب للسياسة أن تنطلق من قيم الدين والدين هو أكبر منظومة للقيم فالتعاون أصل في بناء المجتمع وعليه قامت الحضارة والتنمية والتطور فـ"يد الله مع الجماعة"، "واعتصموا بحبل الله جميعاً" (آل عمران – 103)، وهذه أمور عقلائية أيضاً وليست دينية فحسب، والتجارب والعرف أيضاً يدعوان إلى التعاون. وأريد أن أؤكد نقطة مهمة كرؤية حضارية أنه ما ينبغي أن نبني عليه مجتمعنا أن يقوم على أساس التعاون وأن تكون الرؤية الديمقراطية للمشاركين والمقاطعين منطلقة من هذا المبدأ أيضاً، ولا ينبغي أن ينظر إلى أحد أنه ضد الإصلاح لأنه مشارك أو مقاطع فالرؤية الحضارية تقول أن الإنسان حر فيما يتخذ من موقف، فالله سبحانه وهو خالق البشر أعطى الحرية للناس حتى بأن يعصوه وهو ما قبل منهم ذلك بل وثبت ذلك مع وجود معارض كأبليس، فكيف بالنسبة لنا نحن البشر الذين يجب علينا أن نتعلم من هذه القيم الإلهية السامية والراقية، ولا أن نصنف هذا ضد الإصلاح لأنه مع المقاطعة أو المشاركة لأنها نظرة قاصرة، فكما ينبغي على المشاركين أن يطلبوا من المقاطعين الحكمة فكذلك على المشاركين أن يلتزموا بالحكمة فلا يوصم أحد أنه ضد الحركة الإصلاحية.

212737
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف