قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
"تسلحوا بالمعرفة والعلم"
في حديث لطلبة الجامعة حول العولمة العلامة المحفوظ: "البقاء للأقوى اقتصادياً وفكرياً وسياسياً"
سماحة العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
العلامة المحفوظ - أرشيف

سماحة الشيخ، ما حقيقة العولمة وتاريخها؟

 

ليست العولمة سوى صياغة أخرى لكلمة العالمية ولهما ذات المعنى وذات التطبيق، بالنسبة لتاريخ العولمة يظن الكثير أن العولمة هي وليدة اليوم أو حتى وليدة الستينات أو السبعينات من القرن العشرين إلا أنها في الواقع بدأت في بدايات القرن العشرين 1909 من خلال نشر الثقافة الغربية وهو ما تولته وكالة الخدمات الإخبارية الدولية التابعة لمجموعة هيرست الصحفية الأمريكية، أي قبل الحرب العالمية الأولى، وقد كان ذلك من خلال تغييب دور التقاليد و الدين و إضفاء مسحة من التمييز على كل ما هو جديد و غربي على وجه التحديد عبر الأدبيات الغربية التي كانت تصدرها و تنشرها، ويمكن اعتبار أيضاً السينما الأمريكية التي ظهرت قبيل الحرب العالمية الأولى فاعلاً في إرساء العولمة و تصدير الذوق الأمريكي الغربي، من الممكن أيضاً أن يكون للشركات عبر الوطنية دوراً فاعلا أيضا في تدعيم العولمة.

 

أما بالنسبة لحقيقة العولمة أو ماهيتها فهي تتمثل في إذابة الحدود والحواجز بحيث يصبح العالم فضاء متصل لا حدود فيه و هذا يتم على عدة أصعدة، الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية ما يؤدي إلى توحيد الذوق العام تحت إطار الثقافة المسيطرة وهي الغربية والتخلي شيئاً فشيئاً عن الأصول الثقافية والاجتماعية والدينية كما أنها تغييب الشعور بالقومية و الهوية العربية في حالتنا نحن العرب المسلمين.

 

 

سماحة الشيخ، بين لنا أوجه العولمة وجوانبها وما هي أخطارها على المجتمع؟

 

بدءاً من الصعب بل إنه لمن المستحيل أن يحصل تغيير في جانب من جوانب الحياة الإنسانية أو في أحد مجالاتها دون أن يمس الجوانب الأخرى بمستوى مماثل من التأثير، فالحالة الاقتصادية للبلد تعتمد على استقراره السياسي و ترتكز على  الميول العامة في المجتمع الخاص به وبتركيبته الثقافية وبالتالي فإن أي تأثير سيطرأ على هذا الاقتصاد سوف يكون له تداعيات أخرى على باقي حلقات السلسة التي تكون الركيزة البنيوية للمجتمع، فإن كانت السلع المطروحة مطبوعة بالطابع الأمريكي مثلاً فهو بالتأكيد سوف يطال العلاقات السياسية وثقافة ذلك المجتمع و سلوكياته و أخلاقه حتى يتغلغل في كل المجالات التي يحتاجها الإنسان من السلع والأخبار والمعارف وباقي الاحتياجات.

 

نخلص أن العولمة لا يمكن أن تمس جانب من جوانب المجتمع دون أن تؤثر في الجوانب الأخرى من الاقتصاد وما يشمل من علاقات دولية اقتصادية ومن شركات متعددة الجنسيات، والسياسة وما يجري تحت مظلتها في النظام القانوني والسياسي الدولي، والثقافة وما تضمه من الدين والعادات والتقاليد والمواد التي يتم تعريض الأشخاص لها من خلال وسائل الإعلام الدولية والمحلية ،وهنا نرى أن الفضاء متصل لا يمكن فصل جوانبه على حده ما يضاعف من خطر السلبيات و المساوئ، بالرجوع إلى كون العولمة إذابة كافة الحواجز والحدود بين الدول فتتدفق كافة المعارف والمعلومات بين الدول، هذا يقودنا إلى تخلي كل مجتمع عن أصوله وديانته وعن لغته وعن تشكيلته العامة ولكن الأمر لا يقف هنا فمجتمعاتنا تتخلى عن هويتها لتكتسب هوية أخرى تختلف كل الاختلاف عن الأصول التي اعتدنا عليها من الألف إلى الياء فنحن نعيش نتاج لتاريخ متواصل من السحنة العربية المسلمة التي اعتادت المحافظة والارتكاز على ركيزة الأخلاق والدين في حين أن الهوية الجديدة المكتسبة تنحي كل هذا، لتحل ثقافة جديدة غربية لها معايير خاصة كغيرها من الثقافات، وهنا يظهر التباين الذي يولد الخلل في تركيبة المجتمع و في هوية الشباب، ويمكن أن نطلق عليه بالانفصام في الهوية الذي يضع الشاب حالة عدم رضا أو اقتناع بما هو سائد وما هو جديد أو عصري.

 

 

سماحة الشيخ، ما هي أبرز آثار العولمة الاجتماعية والثقافية والسياسية؟

 

بالتأكيد إذا كانت العولمة تحول العالم إلى فرية عالمية فهي سوف تؤدي  إلى تغييب القومية في كل دولة وإلى إلغاء حدودها السياسية فمقتضى العولمة هو تدفق المعلومات وإقامة العلاقات والاتصال الحر بين الدول ما يفتح المجال إلى دخول المعومات والأخبار والمعارف التي لا ترغب الحكومات إلى تعريض شعوبها لها، كباب من أبواب الضبط و السيطرة والقوة والتحكم في الشعوب وبالتالي فإن العولمة سوف تفك هذه القيود على المستوى السياسي، أما الآثار الاجتماعية و الثقافية فهي بالغة العمق على اعتبار أنها بنية المجتمع المعرفية التي تجمع الأفراد في هوية واحدة وإطار ثقافي اجتماعي واحد، فالعولمة تؤثر على الهوية العربية والهوية المسلمة المتمسكة بمبادئ ناشئة منذ زمن بعيد على تقدير الدور الديني والالتزام بمبادئ أخلاقية لها هالتها الخاصة، ولكن هذا لا وزن له في ظل العولمة التي تروج لثقافة واحد غربية.

 

 

سماحة الشيخ، أليس من حق كل امة أن تنشر ثقافتها؟ إذاً لماذا المسلمون يتوجسون من العولمة؟

 

يجب أن نعي أن البقاء في هذا العالم هو للأقوى اقتصادياً وفكرياً وسياسياً،و على أرض الواقع لا يعيش المسلمون اليوم أوج انتصاراتهم وازدهار دولتهم، بل على العكس تماماً السلطة في زمام الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية وغيرها من دول الغرب القوية التي لها دعائم قوية ترتكز عليها على مختلف الأصعدة، ومن الواضح أن تدفق المعلومات في هذا العالم لا يجري بصورة متوازنة بل يشهد اختلالاً يرجح الكفة لصالح الشمال من هذا العالم الذي يمثل مراكز القوى وبالتالي فإن كل ما هو مصدر هو غربي، في حين أننا نحن الدول الإسلامية و العربية لا نملك تلك القوة التي تمكننا من عولمة الثقافة الإسلامية العربية، بسبب الهوان الذي نعيشه و المطلوب هنا النهوض بثقافتنا ونشرها بالبدء بتأسيس الأساس الصلب المطلوب.

 

 

سماحة الشيخ، بيّن لنا الفرق بين العولمة والعلمنة؟

 

العولمة كما ذكرنا سابقاً أنها إزالة كل الحواجز والحدود، بحيث تصبح كل شعوب العالم متصلة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وعلى كافة الأصعدة التي تسمح للتواصل المباشر والتدفق المباشر للمعلومات، أما العلمنة فهي إقصاء الأمور الدينية والمعتقدات الإلهية عن باقي مجالات الحياة.

 

 

سماحة الشيخ، ما أدوات العولمة وما وسائلها؟

 

يمكن اعتبار وسائل الإعلام بمختلف أشكالها وأهدافها والموجه منها والغير موجه، أدوات بالغة التأثير في  إرساء  العولمة من الأقمار الصناعية الخاصة بأجهزة الاستقبال التابعة للراديو والتلفزيون أو حتى تناقل المعلومات عبر فضاءات أخرى خلال هذه الأقمار، السينما، الدراما، المواد التي تعرضها القنوات الفضائية، والمحطات الإذاعية ووكالات الأنباء العالمية كلها أدوات تخدم مصالح الدول التابعة لها، بالإضافة إلى الشبكة العنكبوتية أو الانترنت الذي يسمح للفرد التنقل والتجول عبر صفحات الويب بدون قيد أو ماسك فيمسح عائق الزمان والمكان، وكذلك الحال مع الشركات عبر الوطنية التي تخدم  مصالح بلدانها.

 

 

سماحة الشيخ، كيف تلخص لنا أهداف العولمة؟

 

1- تكوين هوية ثقافية موحدة.

2- إرساء مفاهيم جديدة غربية في المجتمعات ككل.

3- إحكام السيطرة والضبط و القوة في مركز واحد يوجه العالم بأكمله.

4- إذابة كافة الحدود والحواجز بين الدول.

 

 

فضيلة الشيخ، هل العولمة كلها شر محض أم خير محض؟

 

العولمة هي مزج يعتمد على طريقة تطبيقها و إرسائها، فلا يمكن الجزم بأنها شر مطلق، أو خير مطلق، بل هي مزج بين الاثنين.

 

 

وإذا كانت العولمة لها وعليها فما أوجه وطرق الوقاية من شرها؟

 

من الواجب لمواجهة العولمة، تغذية  الروح الإسلامية الراسخة التي تعتمد الدين منهجاً والأخلاق والمبادئ وسيلة ما يجعلها ثابتة في وجه التحديات والمصاعب، ومن الأهمية بمكان أن يعيش المسلم في ضوء أهم الإحداث الجارية و أن يلم بما يجري ويدور في هذا العالم وإلا فإن الجهل نقص لابد من تسديده، فالرسول يقول: "من لم يهتم بأمور المسلمين فهو ليس منهم"، التسلح بالمعرفة والعلم، وهما ركيزتان داعمتان في وجه العولمة ووسائلها مثل الإعلام الموجه، تنمية روح الاعتزاز ولافتخار بالانتماء للإسلام ومواجهة مواطن الضعف لإصلاحها.

 

 

سماحة الشيخ، ما واجبنا تجاه العولمة الثقافية؟

 

رفض كل ما ينافي ديننا الحنيف والمبادئ والعادات والتقاليد الصالحة التي تقوم عليها مجتمعاتنا العربية والإسلامية، التعرف على مواطن الضعف والقوة في ثقافتنا حتى ننهض للأحسن والأجود، التعرف على الثقافات الأخرى كباب من أبواب الاستفادة من جوانب التطوير لديهم والاعتزاز والتمسك بالجوانب الايجابية القوية لدينا.

 

 

كلمة أخيرة توجهها للطلاب؟

 

اقرؤوا، فنبي الرحمة و سراج الأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلا لِرَجُلَيْنِ عَالِمٍ مُطَاعٍ أَوْ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ" و لنا من هذا الحديث الالتزام بنهج العلم والعلماء الذي حضنا عليه الرسول الكريم وأهل بيته الأطهار، حتى نكرم هذا العقل وهو ميزة الإنسان على كل الكائنات، ولا ريب أن العلم والقراءة والمعارف سوف تجعل عقل الإنسان مجمعاً لمختلف الأفكار والاتجاهات التي يملك الفرد السبيل في اختيارها عن طريق الوعي المتشكل من وزن الأحداث ومواكبتها، وهذا كله يتأتى من التواصل الدائم مع العالم الخارجي والتعرض لوسائل الإعلام وانتقاء الأفضل والأنسب ليدخل إلى المكتبة الذهنية الخاصة بكل منا.

212737
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف