قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
هل المواطن على حق؟

لا يمكن تطوير أي نظام سياسي من دون بناء أرضية ثابتة ترتكز على أصول سليمة تنطلق من قيم إنسانية خيرة وصالحة وأحد هذه القيم السامية تعزيز حالة الثقة بين الناس التي يمكن أن تعتبر مفتاحاً للانسجام والتواصل من أجل البناء والتنمية على كل صعيد، وهذا ما نحتاجه بشدة في بلادنا التي تعاني من أزمات متتالية لا يمكن إخفاؤها من خلال تصريحات باهتة أو تغطيتها من خلال مقالات "متملقة" أو الهروب منها من خلال "مزايدات" واهمة، فالمنطق والعقل يدعونا لمعالجة الواقع بحكمة وجدية وصدقية في التعاطي مع الأمور بعيداً عن الانفعالات والتلاعب بالعواطف من أي طرف كان موالاة أو معارضة.

 

إن المقولة الشهيرة في فن تعامل البائع أو إدارة الشركات والمبيعات التي تضع قاعدة تقول إن الزبون دائماً على حق، فهل يمكن أن يتم تبني هذه القاعدة في بناء النظام السياسي من أن المواطن دائما على حق؟ والفرق أن أصحاب المبيعات يريدون أن يكسبوا الزبون من أجل "تسويق" بضائعهم بينما يريد أي نظام كسب الناس "الزبون" من أجل "تسويق" سياسته ولكن القاسم المشترك هنا بين الطرفين هو الربح واجتذاب الناس واستقطابهم بشكل دائم، ولكن الفارق الكبير بين النهجين هو أن النظام السياسي ليس منفصلاً عن الناس بل هو جزء منهم وإليهم إلا إذا اعتبر نفسه "دكاناً" يبيع ويشتري مع الناس كزبائن وليس كشركاء.

 

إن الحاجة إلى التطوير تستدعي متابعة دائمة لتسليط الضوء على أي عمل بما له وما عليه حتى لا تبقى الأمور وكأنها قدراً محتوماً وربما "معصوماً" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فالتقصير والخطأ ليس عيباً ولكنه قد يتحول إلى خطيئة إن اعتبرناه قدراً مقدوراً، وما شهدناه من محاولات للتغيير والتطوير في بلادنا لا يمكن أن نلغيها تأثيراتها الايجابية بالمطلق كما أنه لا يمكن أن "نبصم" عليها كخطوات لا يمكن المساس بها أو الحديث عنها بسوء وكأنها قدس الأقداس، فما شهدناه من متغيرات يمكن أن ينظر إليه على أنه أحد أشكال حكم القلة المطور بما في ذلك الانتخابات النيابية في ظل حكم القلة وبغض النظر عما رافق تلك المرحلة من ضجيج إعلامي وسياسي ولكن مع مرور الوقت يكتشف الناس أن الشراكة في صياغة القرار هي مجرد شعار لا يعبر عن واقع حقيقي حيث أن الناس "غائبين" عملياً عن مواقع القرار والشراكة وإن تواجدوا "فيزيائياً" في إطاراتها كمسميات لا أقل ولا أكثر، ويمكن القول أن هناك استغلالاً لمكونات الانفتاح من أجل دعم حالة الاستقرار الداخلي وتعزيز مكانة السلطة من دون العمل بجدية في تحقيق تنمية تنعكس على المواطن فتنقذه من أزماته الخانقة، وإلا كيف يمكن القول بوجود تطور في التحول الديمقراطي مع وجود مجموعة من القوانين المقيدة للحريات في مجال التعبير عن الرأي والتجمعات والتضييق على نشطاء الحريات المدنية والاعتقالات والمداهمات التي وصلت إلى أن يداهم مقر جمعية سياسية معروفة في الوسط الداخلي والخارجي وهي جمعية العمل الإسلامي والقبض على أحد أعضاء إدارتها ومنتسبيها.

 

إن الطريق إلى التطوير في النظام السياسي ينبغي أن يبدأ من الناس وينتهي إليهم من خلال تعزيز الثقة في أنفسهم بكونهم أصحاب حق في الشراكة في القرار والثروة وليس الاكتفاء بجعلهم فقط مجرد طلاب حق لأن الناس إذا شعروا أنهم أصحاب الحق فإنهم سيتحولون بشكل طبيعي إلى جزء من النظام السياسي وبدلاً من أن يكونوا خارجه فإنهم سيعملون على البناء وهم مكون أساسي على كل صعيد وهذا يستدعي أن نجعل الناس ينظرون إلى أنفسهم على حق من خلال الثقة بهم لا بجعلهم "متهمين" حتى تثبت براءتهم كما هي القاعدة الدارجة مع الأسف، وبدلاً من أن نصنع سياسة "التقابل" و"التقاتل" علينا أن نعمل على صياغة ثقافة "التكامل" و"التبادل" وهذا بحاجة لتحكيم العقل والمنطق أكثر مما هو بحاجة إلى تحكيم القوة والاستعراض والاستقواء الذي قد يبدو أنه "يعالج" المشكلة ولكنه مع الأسف "يفالج"*1 الأمور بصورة مأساوية مع ما هي عليه الحال من أزمات متعددة، ولكن يبقى الأمل قائما بان في التجارب علم مستحدث كما جاء في الحديث النبوي الشريف فهل نكون من المعتبرين من الأحداث والمتدبرين في العواقب من أجل أن نرتقي بواقعنا نحو غد مشرق يكون في المواطن على حق من خلال نشر ثقافة الحق والعدل والمساواة في ظل نظام سياسي متطور في القول والفعل والسلوك على كل صعيد.

والله من وراء القصد.
*1- الفالج: مرض يحدث شللاً في أحد شقي البدن فيفقده الإحساس والحركة.
212737
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف