قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
بين الاعتراف والإلغاء

من أجل أن يرتقي أي نظام سياسي يحتاج إلى ضرورات حتمية يجب أن تعمل الدولة على إرساء دعائمها ولو كان ذلك على المدى الطويل، من أهم هذه الضرورات الإشراك الحقيقي للشعب في صياغة الواقع سواء كان ذلك في اتخاذ القرارات أو وضع الخطط أو السعي لبناء مستقبل مشرق، فتعدد الأطياف في عملية صياغة أي قرار تذكي المشروع بنكهة مميزة لأنها تكون نتاج تمازج وتفاعل ثقافات ومدارس مختلفة، وكما يقول ربنا عز وجل: "...وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ..." [الشورى : 38]، وجاء في الحديث الشريف "أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله". طبعاً هذه الشورى يجب أن تتحلى بسمة مهمة جداً وهي المصداقية والاعتمادية من قبل الدولة والناس، فمثلاً عندما يتشاور مجلس معين في اتخاذ قرار معين، هناك بعض النقاط التي يجب على الدولة مراعاتها.

 

أولاً يجب أن يكون هناك ثقة مطلقة في المجلس وقراراته وآراءه، ثانياً يجب أن تؤخذ إصدارات هذه المجالس بجدية، فإن كانت مشكلة فهناك حلول يجب إيجادها وإن كانت طلباً وجب النظر فيه وإن كان تحذيراً أو مساءلة يجب اتخاذ الموقف المناسب، ولكن ما فائدة الشورى والاجتماعات إذا كانت سترمى في عرض الحائط؟، وما فائدتها إذا استقبلتها الجهات المعنية بأذن تكاد تكون صماء؟، إذا لم يكن هناك اعتراف بهذه القرارات فما فائدة وجودها؟، ربما يمكن استغلالها في موضع آخر فتكون مادة ممتازة ولكن عندما تتحول المجالس الشورية إلى مجرد "مجالس صورية" وتكون عارية من أي اعتمادية أو اعتراف حقيقي من قبل الدولة فهي تتحول إلى "فارس" أو أي مسرحية هزلية ولكن أبطالها أناس حقيقيون، وهنا المقصود أي مجلس شوري موجود في أي مؤسسة أو دولة.

 

الجانب الآخر المكمل في هذه المرحلة هو الاعتراف بالشعب وهمومه وآرائه و أفكاره، بكلمة أخرى يجب أن يكون هناك اعتراف بوجود الشعب، ليس فقط في الأرشيف وأوراق الوزارات الإحصائية، بل الاعتراف بأهمية وجوده في الدولة والنظام، في دول العالم الثالث يعاني الناس من إلغاء كبير، هم غير ملغيين تماماً وفي نفس الوقت غير معترف بما يقولون تماماً، فهم ليسوا أحياء وليسوا أموات وهذه مشكلة وجودية مهمة، عندما نتكلم عن الإلغاء نعني تهميش أي رأي يعتبره النظام رأيا "آخر"، وقضية الآخر مشكلة لا تزال مطروحة ولا تزال هناك مساعي قوية من أجل القضاء عليها في الدول المتقدمة. قد تكون هناك مجتمعات تعتبر فئة أقلية كطرف "آخر" ولكن بعض الأنظمة تعتبر الأغلبية كـ"آخر" وعندما نعتبر أي رأي مخالف كرأي "آخر" نصبح مستبدين تدريجياً، الطرف "الآخر" عادة يكون غير مسموع وغير مهم وغير موجود في أغلب الأحيان، فإذا ألغينا الناس كلهم فهل سيبقى النظام يناقش أفراده وإفراده والقائمين عليه فقط؟، في الأمس جميعنا شاهدنا الطفلة التي لا تزال تشهق أنفاسها الصعبة بعد أحداث سترة، ولكن أين الأصوات المنددة بهذا؟ وأين الاستنكارات والأعمال على محاسبة المسئول عن وضع هذه الطفلة الحرج؟!، قد يقول كثيرون هذه أعمال شغب وسياسة ولكننا أيضاً خلال الشهر الماضي نسمع عن مرضى يموتون في عمر الزهور بسبب خطأ "طبيب" لا يهمه مات مريضه أم لا لغياب المحاسبة والمساءلة، لقد أصبحت حياة الناس عندنا زهيدة وبخسة لأن النظام يعتبر الناس "آخر" فهو عملياً غير موجود، ناهيك عن الكثير من المفاسد المالية والسياسية.

 

يعتقد الكثيرون أننا اجتزنا شوطاً طويلاً في رقي النظام إذا ما قورن بالماضي، ولكننا إلى الآن لا نزان نعيش في نظام متأخر عن العديد من النظم في الماضي المنصرم ولاسيما في سياسة فبول الأطراف المختلفة والمتنوعة في العملية السياسية، ففي الدولة الإسلامية في عهد الإمام علي بن أبي طالب كان هناك نظام ديمقراطي بمعنى الكلمة، ففي حرب الجمل لم يعامل الطرف الآخر كما كان يعامله، بل على العكس، فلقد أرجع عائشة معززة مكرمة. وعندما حصل الخلاف بينه وبين الخوارج فإنه عاملهم كـ"معارضة" لهم حق الكلام والرأي ولم يمنعهم من الفيء مع أنهم كانوا معارضة مسلحة ولم يقف الإمام في وجههم إلا عندما تجاوزوا الحدود ، ولكن لو ذهبنا إلى الحضارة الرومانية قبل ألفين عام لكنا وجدنا قبول للآخر بغض النظر عن النقاط السلبية في هذه الحضارة العريقة، لقد كان للرومان قوة عظيمة جداً استمدوها من مجالس الشيوخ و المستشارين الذين كانوا يرفدون الدولة بقرارات مدروسة ومناقشة من وجهات نظر مختلفة، ولم يبدأ عصر الانحدار لروما إلا بعد أن اعتنقت النظام الدكتاتوري وألغت استشارة ذوي الخبرة في الدولة.

 

إذا كانت سياسة الإقصاء والتهميش فاشلة في الماضي وتحارب في الوقت الراهن، فلماذا نصر كنظم أن نتمسك بها ونمارسها بمختلف أنواع الفنون، عندما لا نعترف بالناس فإننا ببساطة نخسر القدرات التي تملك المواهب الخلاقة والمشاريع التي قد تنقل الدولة إلى صف الدول المتطورة جداً، عندما لا نعترف بالشعب فإننا لا نعترف بنفسنا كنظام وكدولة وكما يقول توماس جفرسون: "الدولة والحكومة الأقوى هي التي تعطي كل مواطن الشعور بأنه جزء لا يتجزأ منها"، فالشعب هو الذي يعطي النظام والدولة سمة الوجود وعندما نهمشه فإننا نهمش النظام في العالم ككل وليس في إطار الدولة فقط.

 

إننا نعيش في عصر يسابق الزمن وأي تخلف عن الركب يعني ضياع الكثير من الفرص على أكثر من صعيد وهذا ما يحصل اليوم بالنسبة لنا حين نرى أن المحيط القريب منا يتقدم علينا كثيراً بعد أن كنا نمثل حالة فريدة محورية في المنطقة، إن من المؤسف أن نبقي على أساليب وآليات نعرف مسبقاً أنها غير مجدية وعقيمة ومع ذلك تجد إصراراً ليس له من مبرر للاستمرار ضمن منهجيات خاطئة إلى درجة أن المرء يتساءل هل هو غباء وقلة نظر أم هو أسلوب متعمد ومقصود وفي كلا الحالتين هي طامة كبرى والعياذ بالله، وصدق الرسول الأكرم حين قال: "لا خير في العيش إلا لرجلين عالم مطاع ومستمع واع".

والله من وراء القصد.
378972
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف