قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
الطائفية...مسؤولية من؟

من دون صياغة الوعي العام من خلال تبني ثقافة سليمة لا يمكن أن نصل إلى المطلوب ولا يمكن مواجهة التحديات التي تقف حائلاً دون تحقيق التطلعات، هذه حقيقة تنطبق على أكثر من صعيد حينما نواجه تحدياً في الطريق للبناء الاجتماعي والسياسي الذي نسعى إليه.

 

وفي قبال أمراض اجتماعية وسياسية تعصف بواقعنا كالطائفية فإننا بلا شك بحاجة ماسة إلى صياغة وعي عام بين الناس خاصة وأن الطائفية قد تتحول إلى ظاهرة خطيرة تعصف بوحدة المجتمع إن لم تكن كذلك لا سمح الله، والمشكلة لا تكمن في عدم معرفة أخطار مثل هذه الظاهرة السلبية وتأثيراتها وتداعياتها على الأمة والمجتمع، فالجميع يتحدث عن ذلك وربما يضع الحلول ولكن المشكلة تكمن في وجود الإرادة والجدية في التغلب على هذه الظاهرة التي يراد لها أن تنمو في مجتمعنا لحاجات شتى يعلمها أصحابها ومن يقف خلفها بينما يحترق الناس بنيرانها ومآسيها من حيث يشعرون أو لا يشعرون.

 

إن من المسلمات والبديهيات أن يتشكل أي مجتمع من طوائف وعشائر ومذاهب متعددة ومتنوعة ذلك أن التعدد والتنوع سنة كونية في الخلق حيث يقول ربنا عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات : 13].

وليس بدعاً أن نجد أنفسنا كذلك ولكن العبرة هي كيف يمكن أن نرتقي بأنفسنا فنستطيع أن نتوافق أو نتفق في ظل نظام عادل يستطيع أن يضمن للناس حقوقهم وحرياتهم من دون تمييز أو تمايز على حساب بعضهم البعض، وليس من المبالغة القول أن الطوائف والمذاهب والأعراق هي من يشكل الأوطان لا العكس ولذلك فإن الوطن ينبغي أن يكون في خدمة مكوناته الاجتماعية وفي الارتقاء بهم على الأصعدة المختلفة وإذا ما شعروا بذلك فإن الجميع سوف يرى في وطنه ضماناً لأمنه ولحياته بل ولمستقبله ومستقبل أجياله القادمة، وهنا يمكن أن يتحول الوطن إلى محور يلتف الناس حوله ويقفون خلفه ويدافعون عنه ويعشقون اسمه.

 

وبمعنى آخر فإن الوطن الذي يُؤسس على قيم أخلاقية واجتماعية وأعراف إنسانية نبيلة فيعمل على ترسيخ قيم التوزيع العادل للثروة والمساواة بين الناس بلا استثناء واحترام حقوقهم ومراعاة مشاعرهم والحفاظ على كراماتهم، مثل هذا الوطن يمكن أن يواجه أعتى التحديات والضغوطات مهما عظم حجمها، ولذلك فإن تعاليم الإسلام كانت تركز دائماً وأبداً على اعتماد القيم الخيرة في بناء المجتمعات لأن القيم هي روح التشريعات والضوابط القانونية والعرفية وهذا ما يعمل على تنظيم حياة الناس بشكل أفضل.

 

وما نراه اليوم بالنسبة إلى الدول المتقدمة على الرغم من المؤاخذات على ما فيها ولكن ما نراه من القدرة على الاستيعاب السياسي والاجتماعي يمثل إضاءة للعقل البشري لمن أراد أن يعتبر ولو نسبياً ويبقى ذلك حجّة على الآخرين فكيف ينجح الآخرون فيما نفشل نحن فيه.

 

إن البيئة الصحية لها دور كبير في توفير الحماية من عدم التعرض للكثير من الأمراض والأوبئة ولا شك أن للبيئة السياسية دوراً كبيراً في حماية المجتمع وصيانته أمام التحديات وهذا هو دور النظام السياسي في بلادنا ولكن النظام يحتاج إلى كثير من الإصلاحات والتغييرات من أجل أن يواكب المتغيرات حيث أنه يعاني من خلل على أكثر من صعيد، بل إن الأمر وصل إلى أن الكثيرين من أبناء الوطن يرون أن النظام هو جزء من المرض الطائفي ومشارك فيه وربما محرك رئيسي كما أشار التقرير الشهير المعروف باسم "تقرير البندر".

 

إن المشكلة لا تكمن في الانتماءات ولا المذاهب ولا الأديان ولا التعدد فهي قضية طبيعية لا أحد يجادل فيها ولكن المشكلة في كيفية التعاطي في وضع قائم بهذه الكيفية لا نعاني منه وحدنا فهو موجود في معظم المجتمعات إن لم نقل جميعها ولذلك ينبغي تحكيم العقل والحكمة والارتقاء بنمط التفكير الذي نعاني منه وهو الحالة الأحادية القائمة على إلغاء الآخر أو تحجيمه أو عدم الاعتراف به وهو ما جعل مجتمعاتنا تعيش مع الأسف بلا نكهة وبلا طعم ولا حتى لون بينما استطاع الآخرون أن يسبقونا "بسنوات ضوئية"، مع أن الفارق بسيط بيننا وبينهم ولكنهم أحسنوا جانبين مهمين وهما الاستماع للآخر والقبول به وربنا عز وجل يقول: "...فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ" [الزمر : 17،18]

فهل نحن على استعداد لقبول التحدي؟

والله من وراء القصد.
300030
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف