قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
البحرين أزمات تستولد أخرى

ليس بعيداً أن يبقى الجدل دائراً ومفتوحاً حول الكثير من القضايا السياسية في البحرين لوقت طويل وهذا ما يكشفه الواقع السياسي والاجتماعي فمن مقالات الصحافة وتقاريرها إلى ما يدور في الديوانيات والمجالس من أحاديث ذات شؤون ترتبط بالقضايا المباشرة التي يعاني منها الناس إلى ما يصرح به المختصون والمتصدون في الشأن السياسي أمام الصحافة أو في الندوات والملتقيات السياسية، وهذا الأمر حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها في المجتمع البحريني، ولا شك أن الواقع السياسي الجديد ما بعد مرحلة أمن الدولة والكبت والسجون والقتل تحت التعذيب قد أعطى مساحة للناس لكي يعبروا عن رأيهم في القضايا المختلفة إلى حد ما بغض النظر عن الاستماع لرأي الناس أو الأخذ به من قبل السلطة.

 

وفي الحقيقة فإن القضايا التي يعاني منها الناس في البحرين تستدعي هذا الجدل الدائم والمفتوح فلا يمكن أن تلوم أحداً من الناس في هذا البلد لأنه يتكلم عن أزمات "تستولد" أخرى حتى وصل الحال بالبعض أن يرفع الراية البيضاء أمام هذا الواقع مستسلماً لقدره باستحالة القضاء على هذه الأزمات التي جعلت البلاد تسير عكس الاتجاه حتى بالنسبة لجيرانها فضلاً عن العالم المتقدم، وكيف يمكن أن تلوم الناس وهم يرون أزمات طاحنة تعصف ببلادهم كأزمة البطالة أو أزمة الفقر أو أزمة التجنيس "الغادر" أو أزمة الإسكان وسرقة السواحل والأراضي أو أزمة التعليم أو أزمة التمييز أو غيرها من أزمات في بلد يبدو لمن يتحدث عنه وكأنها أزمات لدول كبرى أو قارة من القارات.

 

والغريب أن السلطة تلوم الناس على قصور الفهم عندهم تجاه بعض الأزمات أو عدم انسجامهم مع أزمات يرونها كذلك بينما السلطة ترى فيها انجازات لا تضاهى، فما المانع أن تتلون الوظائف والاختصاصات بوجوه من مختلف البلدان سواء في الجامعة أو في التعليم أو في الصحة أو في الأمن أو الجيش أو في كل مكان ويبقى المواطن بكفاءته وشهادته الجامعية بلا وظيفة، ولماذا لا يذهب المواطن إلى قطر أو إلى أي مكان آخر بحثاً عن الوظيفة ويترك مكاناً للآخرين من باب التضحية والتسامح، ولماذا يلوم الناس السلطة في ما يرتبط بالفقر مع أنهم السبب في ذلك فهم لم يدعموا العاطلين إلا بشق الأنفس وبنسبة 1% فقط وهم الذين رفعوا أسعار الأراضي في بلادهم حتى وصل سعر الأرض إلى أكثر من 50 ألف دينار وهم الذين أنهكوا الميزانية العامة برواتبهم التي لا تتجاوز الـ200 دينار بحريني وهم الذين ضيعوا السواحل حتى لم يتبق منها إلا 3% فقط.

 

إن على السلطة أن تعي حقيقة الواقع المتغير وحتمية التغيير من أجل صياغة واقع جديد لا تحكمه النظم القديمة بصياغة أخرى "ملمعة" و"ملونة" لأن الأمور لا تسير إلى الأفضل إذا ما أردنا أن نكون صادقين في توصيف الواقع ولا يمكن لأحد أن يقول إن الحال أفضل الآن لأن الناس تستطيع أن تتحدث بشكل أفضل وبحرية أكثر من السابق والحال أنه كلما ازدادت مساحة الحرية للكلمة والتعبير عن الرأي فإن هذا يعني تسليط الضوء على مواضع الخلل وهي ليست كثيرة في بلادنا فحسب ولكنها خطيرة بشكل مخيف ولهذا فإن الأمر لا يستدعي التباهي والتفاخر أو "المنّ" على الناس بأن الواقع الجديد أفضل حالاً من سابقه فلا داعي للتذمر وهذه حالة استعلائية ينبغي أن لا تجد لها مكاناً في واقعنا ولا أحد يستطيع أن يبرر للناس أو يقنعهم كيف يستطيع الآخرون من جيراننا أن يرفعوا راتب المواطن إلى 70% بينما لا تستطيع السلطة عندنا كذلك إلا إذا كان الجواب من قبل البعض أنهم أغنياء ونحن فقراء وهو عذر أقبح من ذنب ولا أظن أن أحداً يمكنه أن يصدق هذه المقولة في عالم اليوم.

 

إن الأمر يتطلب أن نكون جادين في عملية التغيير التي لا يمكن أن تحصل من دون شراكة شعبية في صناعة القرار وطالما لا توجد هذه الشراكة الحقيقية فسوف تبقى الأزمات في بلادنا "مستديمة" و"مزمنة" وربما لا سمح الله تكون "مستعصية"، وهذه الشراكة بحاجة إلى آليات سليمة ذات صلاحيات غير منقوصة لمعالجة الخلل والبت في وضع الحلول المناسبة وهي لحد الآن غير موجودة ومن يكابر نفسه أو يزايد لسبب أو آخر بأن الإطارات الموجودة سواء المتمثلة في المجلس النيابي أو غيره فهو واهم علاوة على أنه يمثل استخفافاً كبيراً بعقول الناس لا طائل منه سوى المزيد من "استيلاد" الأزمات، وطالما بقيت السلطة مستفردة بالقرار من دون شراكة حقيقية فإنها لن تتمكن من حل الأزمات الخانقة كما لم تتمكن في السابق وازدياد الأمور سوءاً لا يحتاج إلى نباهة وما يسمى بـ"حنكة" سياسية، فقد أصبح كل مواطن في البحرين حتى الأطفال الصغار يفهمون حقيقة الوضع وكأنهم من أصحاب الخبرة السياسية العريقة، وربما هي من الحسنات التي تحسب للسلطة في أنها علمت الناس كيف "يشتغلون" أو "ينشغلون" بالسياسة لا فرق في ذلك فالكل يريد أن يتعلم السباحة في هذا البحر المتلاطم من الأزمات بعد أن أغرقت السلطة البلاد والعباد بـ"أزمات" و"كدمات" و"صدمات" لا ينجو فيها إلا من عصم الله ولا نملك إلا أن نقول اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.

والله من وراء القصد.
207796
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف