قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
رسول الرحمة الإنسانية

عندما عرج بالرسول الأكرم نبينا محمد إلى السماء وصل إلى مكان فوقف الأمين جبرائيل فقال له النبي: "تقدم فإني أخاف"، فقال جبرائيل: "لو تقدمت قيد أنملة لاحترقت"، فمشى رسول الله مسافة طويلة حتى وصل قاب قوسين أو أدنى فخلع نعليه فأتاه النداء من الله عز وجل لم خلعت نعليك يا أحمد فقال رسول الله: "أخاف أن تقول لي كما قلت لموسى بن عمران "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى" (طه، 12)"، فقال الله عز وجل: "إذا كان موسى قد أراد فأنت المراد اطلب يا احمد ما تشاء"، فقال رسول الله: "يا رب لا أسألك بأمي التي ولدتني ولا بأبي ولا بحليمة السعدية التي أرضعتني وإنما أسالك بأمّتي"، فقال الله عز وجل: "أنا مولى لطيف وأنت عبد شريف ولا يضيع حق أحد بين اللطيف والشريف وعزتي وجلالي لأقسمن المحشر إلى قسمين يوم القيامة قسم أنا أقول رحمتي رحمتي وقسم أنت تقول أمتي أمتي".

 

كم كان رسول الله عظيماً في تفكيره ونظرته الرحيمة إلى أمته فقد كان مظهراً من مظاهر رحمة الله عز وجل بالناس من خلال معاملاته وتواضعه وأدبه الرفيع وقد وصفه ربنا عز وجل في القرآن الكريم "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء، 107).


وقد تجلت تلك الرحمة في أخلاقيات التعامل حتى مع أعدائه فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم مضطجعاً يوماً تحت شجرة فجاء إليه أعرابي مشرك يريد قتله فقام على رأس رسول الله مشهراً سيفه وقال: "يا محمد من يمنعك مني اليوم؟"، فقال رسول الله: "الله عز وجل" فجاء جبريل ودفع المشرك في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله وقام على رأسه فقال: "من يمنعك مني؟" فقال: "عفوك يا محمد"، فتركه رسول الله.

 

كان رسول الله يقول عن نفسه الشريفة: "إنما أنا رحمة مهداة" وهذه الرحمة ليست خاصة بالمسلمين فحسب بل إنها تشمل الناس جميعاً فقد روي أن النبي امتنع عن قطع مجرى الماء عن حصون خيبر مع أنه كان بأمس الحاجة للقضاء على اليهود الذين نقضوا عهودهم التي أبرموها مع المسلمين وشكلوا تحالفاً مع المشركين من قريش ذلك أن رسول الله يحمل قلباً يفيض بالرحمة والإنسانية حتى أنه عندما فتح حصون خيبر وغنم من اليهود ما غنم من كميات كبيرة من الذهب قام بتوزيعها على فقراء مكة على الرغم من كل ما فعلته مكة وكفارها من مواقف حاقدة ضد رسول الله حتى أنهم حاصروه في شعب أبي طالب الذي وقف مدافعاً عن رسول الله مع خديجة زوجة رسول الله. ومع أنهم صدوه عن مكة وأبعدوه لكنه عندما دخل إلى مكة في عام الفتح فإنه جسد أسمى آيات التواضع والرحمة لأولئك الذين حاربوه وقتلوا عمه حمزة ومثلوا بجسمه ولكن رسول الله دخل مكة مطأطئ الرأس على عنق الناقة حتى لا يرتعب الناس أو يشعروا بأن هناك منتصراً ومهزوماً أو فاتحاً ورعية. وعندما قال خالد بن الوليد: "اليوم يوم الملحمة" قال رسول الله: "بل اليوم يوم المرحمة" فمن دخل داره فهو آمن ومن تشهد الشهادتين فهو آمن بل حتى من دخل دار أبي سفيان فهو آمن على الرغم من كل ما قام به أبو سفيان وزوجته هند من مؤامرات ودسائس ضد رسول الله .


كم نحن بحاجة إلى نتعلم من رسول الله معاني الرحمة فنجعل من ذلك هاجساً نحمله في تفكيرنا وسلوكنا في واقعنا فنجمل في قلوبنا الرحمة لبعضنا البعض بل حتى للناس جميعاً، فالإمام علي يقول: "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". إننا بحاجة إلى أن ننفتح على سيرة رسول الله اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نتأسى بأخلاقياته وسلوكه الرفيع بعيداً عن الأحقاد والإضغان والكراهية، فالمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه فلا ندع الشيطان وأعوانه من المستكبرين والجبابرة لكي يخضعونا لأهوائهم ومؤامراتهم الدنيئة في تمزيقنا وإبعادنا عن بعضنا البعض تحت مبررات واهية حتى أن صورة المسلمين في عالم اليوم انطبعت مع الأسف بطابع التفرق والتمزق والضعف بدلاً من التوحد والقوة وأصبحنا لقمة سائغة في يد الأعداء نخاف أن يتخطفنا الناس من حولنا.


إن الأمة المرحومة بفضل ارتباطها برسول الله تحولت إلى أمة وحشية تفكر في قتل بعضها الآخر أو إقصائه أو تهميشه والعمل على تقييد بعضنا البعض، وليس هناك من خلل في ديننا أو عقيدتنا بلا شك ولكن المشكلة تكمن فينا عندما ابتعدنا عن نهج رسول الله الذي كان يعتمد على الرحمة بقومه وبأمته وكان قلبه على أمته في كل حين حتى في آخر لحظة من عمره كان يقول لملك الموت يا ملك الموت ثقل علي يا ملك الموت في قبض الروح وخفف على أمتي.


إن الأمة لن تجد طريقها إلا برسول الله وهي لن تجد ذلك إلا إذا وجدت الرحمة إلى قلوب المسلمين سبيلاً فقد قال رسول الله: "من لا يرحم لا يُرحم" وقال أيضا: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

212913
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف