قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
كيف نواجه الطائفية؟

تزايد الحديث عن "الطائفية" في الوسط السياسي و الاجتماعي يعطي دلالة واضحة عن تنامي الشعور بالمخاطر المترتبة نتيجة لوجود هذه الظاهرة البغيضة وتأثيراتها السلبية في مجتمعنا.

 

ولكن الشعور بمخاطر هذه الظاهرة لا يكفي إذا لم تتحرك بشكل جدي من أجل مواجهة الطائفية والقضاء عليها إن أمكن أو الحد من تفاقمها كخطر يهدد وحدة المجتمع وأمنه واستقراره. ويمكن لنا أن نستخلص من التجارب البشرية والنظم الإنسانية وعلى رأسها الإسلام الكثير من العبر والدروس في التعاطي مع مثل هذه الظواهر الاجتماعية.

 

فقد استطاع الرسول في مدة قياسية أن يجمع الناس بمختلف أطباقهم وأجناسهم فانصهروا في بوتقة واحدة حول قيم الإسلام العظيمة مع أنهم كانوا يعيشون الانقسام الطبقي والعرقي والقبلي فجمع العربي مع الفارسي والرومي مع الحبشي والأبيض مع الأسود من خلال قيم سامية "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم" وجاء في أحاديث مروية عن رسول الله "الناس سواسية كأسنان المشط" و "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لابيض على اسود إلا بالتقوى"، وبعد أن كانت الحروب والصراعات والعصبيات تتقاذفهم في كل وقت وإذا بهم إخوة على قلب واحد وعقيدة واحدة.

 

كما أن التاريخ البشري غني بالتجارب الغنية بالنظم والضوابط السياسية والاجتماعية، وحتى لو سلمنا بوجود ثغرات وفجوات فيها فإن ما وصلت إليه بعض المجتمعات في الشرق والغرب يمكن أن يعتبر تجربة تستحق الدراسة والبحث والتعلم منها فهم على الأقل يسبقونا في مجالات عديدة ويتفوقون علينا في قدرتهم على إيجاد حالة من التعايش الاجتماعي من خلال التزامهم بأنظمة اجتماعية تحافظ على الانسجام والتآلف ولو نسبياً.

 

إن المسؤولية يتحملها الجميع سياسياً واجتماعياً سواء الدولة أو الناس بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم.

وبحسب رأيي والله العالم، إن قضية الطائفية تم توظيفها بشكل كبير سياسياً واجتماعياً حتى وصلت إلى هذا الحد من التأثير في حياة الناس الذين كانوا يعيشون في ظل انسجام كبير وتداخل في العلاقات الاجتماعية والمعيشية بعيداً عن تأثير هذه الظاهرة ولم يكن لهم حتى أدنى تفكير في إثارتها.

 

وقد استفاد الاستعمار لتثبيت وجوده وهيمنته على الشعوب من هذه القضية فاستخدمها بطرق متعددة ولا يزال، واستفادت الحكومات من تجارب الاستعمار السيئة فاستمرت في استثمار هذه القضية من أجل تمكينها من فرض هيمنتها على الناس من خلال إثارة النعرات وخلق الفجوات بين أبناء المجتمع الواحد.

 

إن الدولة تتحمل مسئولية كبيرة بصفتها المتصدية لحكم الناس والمسئولة المباشرة عن وضع القوانين والنظم، والمسئولة عن وحدة المجتمع واستقراره وأمنه من خلال أنظمة تعمل على تحقيق ذلك.

 

ولكن الذي نلاحظه هو العكس من ذلك في مجالات توظف فيها الطائفية بشكل فاضح، ففي نفس الوقت الذي تتحدث فيه الدول عن الوحدة الوطنية فإنها تعمل على تقوية طائفة هنا وإضعاف طائفة هناك ويبدو ذلك واضحاً من خلال مسألة التوظيف التي لا تستند إلى العقل والحكمة بقدر ما تستند إلى عمل مدروس من أجل إذكاء نار الطائفية.

 

كما يبدو ذلك في توزيع الدوائر الانتخابية التي ليس لها مبرر قانوني ولا شرعي ولا عقلي، فمن غير المنطقي الحديث عن مؤسسات وطنية كالبرلمان ومجلس الشورى والمجالس البلدية يصل أعضائها إليها عبر تقسيمات طائفية ثم نغطي ذلك بمبررات واهية ونتحدث عن ضرورة الوحدة الوطنية والإجماع الوطني.

 

وقد ذهبت الدولة إلى أبعد من ذلك حينما عمدت إلى عملية تجنيس "مدروس" أدى إلى إيجاد طائفة جديدة قائمة على الارتزاق والمصلحة الذاتية بعيدة عن المصلحة الوطنية ولذلك فقد اسماها الناس بـ"المجنسين" فلم يرتضوا لها واقعاً وطنياً وهناك حقائق أخرى يمكن لأي متابع أن يلحظها.

 

ومع كل الممارسات الخاطئة للدولة، في هذا الاتجاه فإن هذا لا يعفي المجتمع من تحمل مسؤولياته في مواجهة هذه الظاهرة البغيضة فلا ينبغي أن يقع الناس في فخ هذه اللعبة فيتم ابتزازهم واستدراجهم تحت مسميات لا تستند إلى الشرع  والعقل والمنطق هذا أولاً.

 

وثانياً: أن نتبنى الحوار كوسيلة للتواصل والتفاهم مع بعضنا من خلال إقامة الفعاليات المشتركة على الصعيد الديني والاجتماعي والسياسي.

 

ثالثاً: أن نحمل بعضنا البعض على محامل الخير والحب والمودة بعيداً عن تعقيدات السياسة وألاعيبها وأن لا نترك لمثيري الفتن وعرابي الطائفية مجالاً لكي يمزقوا وحدتنا الوطنية.

 

رابعاً: أن نتمسك بحقنا في صياغة وطن قائم على المساواة والعدالة واحترام حقوق الإنسان من خلال التوافق على الأنظمة والقوانين التي تدفع بهذا الاتجاه ورفض القوانين التي تصب في اتجاه تمزيقنا وتكريس حالة التخلف في واقعنا كقوانين الدوائر الانتخابية وسياسة التوظيف الطائفي وما أشبه.

والله من وراء القصد.
310062
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف