قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
يوم السبت وعصابة النفط

وتأبى الشعوب إلا أن تكون جبلاً صخرياً هائلاً، في وجه وغطرسة وعجرفة كل متجبر متعال. تأبى الجماهير إلا أن تنطق بكلمة الحق في وجه فرعون وهامان وقارون، تصر إلا أن تقف وتقول: "مهلا ما انتم إلا بشر ولن تبلغوا الأسباب، لن تبلغوا بصروحكم وناطحات سحابكم أسباب السماوات والأرض، كما تمنى وحلم شيخكم فرعون الأول إذ قال: "وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى" القصص 38".

 

نعم، فقد وقفت إحداهن في المظاهرات المليونية، التي عمت أكثر من 600 مدينة في العالم يوم السبت الرافض لمربع النفط أو قل عصابة الأربعة، بوش تشيني رامسفلد وذنبهم بلير، وقفت هذه السيدة البريطانية في قلب لندن وصاحت في الجموع: "أسمع يا بلير ما أنت إلا رئيس للوزراء، انك لست إله!".

 

وعلى الرغم من شدة البرد، تقف سيدة روسية مسنة وقد اتشحت بالكوفية الفلسطينية، إلا أن هذه السيدة التي رسم الدهر على وجهها تضاريس من خبر الحياة، تقف في وسط موسكو بين آلاف المتظاهرين وتصرخ بصوت المستنكر المندد للهجمة النفطية الأمريكية قائلة: "يريدون تدمير العراق وكوريا الشمالية مثلما دمروا بالأمس الاتحاد السوفيتي".

 

بعد ذلك نرى مشهداً من مشاهد الرفض وعدم التسليم، إذ يقف القس الأمريكي جاكسون ويصيح بأعلى صوته بين الجموع المحتشدة: "يجب الإصغاء لصوت الجماهير، ويردف قائلاً اسمع يا بلير يا بوش لا دماء من أجل النفط" فيما يكرر الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بيلا عبارة لا للحرب. هذا في الوقت الذي تموج فيه شعوب الأرض أكثر البلدان في يوم الرفض، الذي سمي بحق (اليوم العالمي للتضامن مع العراق) وقد رُفعت الشعارات واللافتات المنددة والرافضة لحرب عصابة الأربعة، ومن بين تلك الشعارات شعار يقول: "اسقطوا بوش لا القنابل".

 

لقد خرجت الملايين من البشر بجميع طبقاتها وأطيافها في أدنى الأرض وأقصاها، لتعري وتفضح مزاعم عصابة بوش النفطية، التي استندت على تقارير وضعت بأيادي خبراء الكذب في واشنطن عاصمة الحرية! ولتعلن هذه الشعوب أنها ضد الحرب النفطية على العراق، التي سوف تكون نتائجها كارثية إن وقعت، لكن نتائجها الربحية سوف تصب في جيوب سلاطين النفط والثروة، الذين كلما نهبوا جاعوا وكلما جاعوا نهبوا، والضحية هم تلكم الجماهير المستضعفة في الأرض، التي يريد الله أن يمن عليها ويجعلها من الأئمة ومن الوارثين، الذين إن استقاموا على الطريقة فسوف يسقيهم الله ماء غدقاً.

 

وتسأل، كيف يسقينا الله ماء غدقاً وقد ضيعنا الرسالة وخنا الأمانة ولم نعد نميز بين الإباء والذل وبين الكرامة والإهانة؟ فهذه قادة الدول العربية والإسلامية لا حول لها ولا قوة، ولسان حالهم يقول: "مادامت هذه الشعوب المليونية التي خرجت في يوم السبت 15 فبراير 2003 بمعية التحالف الثلاثي (فرنسا ألمانيا بلجيكا) قد تكفلت وأخذت على عاتقها الدفاع عن العراق العربي الإسلامي، مادامت كذلك فلماذا نحمل هموم ومشاكل غيرنا، كفانا حمل هموم دولنا. لقد تكفلت قوى صديقة بالذود عن أوطاننا وترابنا وأمننا"، ،وعليه فجيناتنا الوراثية هي ذات جينات حكوماتنا!(وعساكم من عواده).

 

ولا ادري عزيزي القارئ، أيهم أحق بالدفاع عن العراق، بل لا أدري أيهم العربي، روما ولندن ومدريد، أم عواصم عربية كبيرة خلت من تلكم المظاهرات؟

أحقاً نحن غثاء كغثاء السيل كما أخبرنا الحبيب وهو الصادق محمد صلى الله عليه وآله؟ بماذا يفكر المسئولون العرب وقد تداعت على ترابنا وعلى ديننا أمة الشر والاستكبار العالمي؟ أفي حسبانهم أنهم ناجون إن وقعت الواقعة، واشتد البلاء وأصابت الجميع الفتنة؟ يقول الله عز وجل: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" وبالتالي فإن الضرر وأيادي الشر لن يفرقا بين صدام حسين وذاك الحاكم، أو بين الشعب العراقي الشقيق وغيره من الشعب العربي، بل الضرر والشر سيهجمان بشراسة على الجميع، الأمر الذي سوف يخلق واقعاً جديداً بكيانات جديدة أكثر تمزيقاً وتبعية، تصب خيراتها في فم بوش ومعدة ديك تشيني ورئة رامسفلد فيما بلير يلحس قصعتهم.

 

إن الواقع مرشح أن تولد فيه دول وتغيب أخرى في المنطقة كما يقول المحللون السياسيون، بل مرشح أن تكون فيه نهايات لمنظمات دولية وإقليمية! إذ بعد الاستيلاء على العراق والتحكم في سعر البرميل، ستصبح منظمة اوبيك معلقة في الهواء الأمر الذي يقود إلى نهايتها. بل إن الأفعى الأمريكية ستغرز أنيابها لتزرق سمها الجهنمي في رقبة منظمة الأمم المتحدة، الفعل الذي سيصيب المنظمة بالشلل الكلي ومن ثم يُدار العالم أمريكيا؟

 

السؤال هنا: مادام السيناريو الأمريكي قد رُسم  ووُضع سلفاً للسيطرة على المنطقة وتقسيمها بأيادي أمريكية صهيونية تريد أن تجعل من المنطقة مضخة نفط أمريكية وتجعل من إسرائيل السيد المُطاع في المنطقة، ألا يكون ذلك استهانة واحتقار بما لدى الشعوب من قوى كامنة تفجرها لتخلق المستحيلات في الضراء كما في السراء؟ ألا يكون ذلك تجاهل بما لدى الجماهير العربية والإسلامية من تاريخ حافل بالثورات ضد الاستعمار وضد كل متفرعن جبار؟ نقول هذا مستندين إلى المخزون الهائل من التضحية والفداء والجهاد الذي جابهت به الشعوب العربية والإسلامية استعمارات القرن الفائت، ونقوله أيضاً بعدما رأينا الفعل الساحر لمظاهرات السبت، حيث الملايين المحتشدة الضاغطة المؤثرة، التي جعلت من بوش يصرح بأن استخدام القوة هي الملاذ الأخير، فيما يزداد التحالف الثلاثي قوة واتساعاً، أضف إلى ذلك موقف البرلمان التركي الشجاع حتى هذه اللحظة ليزيد في عزلة الموقف الأمريكي، بينما نسبة التأثير العربي في هذا التطور هو صفر بامتياز!.

إذ والملايين الرافضة لحرب بوش تجوب بقاع الأرض في ذلك اليوم المشهود نرى العرب قد ذهبوا إلى شرم الشيخ ليفجروا أزمة جديدة، الأمر الذي يعزز من الموقف الأمريكي بشأن الحرب ضد شعب جائع مقهور!؟

 

أخيراً ينبغي لنا أن نذكر إلى أن هذه الملايين البشرية لم تخرج دفاعاً عن النظام العراقي كي لا يزداد في عتوه وغروره بل دفاعاً عن المنطقة والشعب العراقي العربي الإسلامي الشقيق من جهة، كما إنها خرجت ضد الهيمنة والغطرسة الأمريكية، الأمر الذي يقلق كل حر، ويضيق به صدر كل مؤمن بالله الواحد القهار.
375430
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف