قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
إرهاب أم سماحة!؟ (1-2)

يبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سرية في إحدى الغزوات وقبل أن تحين ساعة الصفر، يجلسهم بين يديه ويقول: "سيروا باسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تغلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة، ولا تقطعوا شجراً إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أقصاهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار له حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله".

 

وقد كانت هذه سنة نبي الإسلام محمد في كل الغزوات، إذ لابد للجيش الإسلامي من جرعات أخلاقية ومعنوية قبل أن ينطلق، تقيه من أن يسرف في القتل بلا أدب، أو أن يهرق قطرة دم بلا سبب. وقد اتخذ المسلمون هذه الجواهر الثمينة من فم رسول الله سنة في حروبهم، حيث تميزوا عن غيرهم.

 

فلا غرو حين نرى الكثير من غير المسلمين كالمستشرقين وغيرهم، ينصفون جند الإسلام في حروبهم. ولنقرأ ما قاله الكاتب الشهير فليب حتى إذ يقول: "أينما كان يحل عسكر الإسلام - في الأندلس - كان الناس يتقبلونه برحابة صدر، ويحضرون لهم الماء والطعام ويخلون لهم خنادقهم". وقد كتب البروفيسور محمد حميد الله المستوفي، أستاذ جامعة باريس في كتابه (الرسول الأكرم في ميدان القتال) إذ قال: "كان محمد يحكم على أكثر من مليون ميلاً مربعاً من الأرض، وهذه المساحة تعادل كل أراضى أوروبا باستثناء روسيا، ومن المقطوع به أن هذه النقطة كانت مساكن ملايين من العرب، وقد قُتل منهم مائة وخمسون رجلاً، أما من جانب المسلمين فقد كانت خسائرهم في أرواحهم في مدة عشر سنين تعادل كل شهر شهيداً. ولا نظير لهذه المثابة من تقدير الدم البشري وحرمته في تاريخهم الطويل". وسندرك قمة تعاليم الإسلام وأخلاق رسوله إذا ما عرفنا أن كثيراً من البلدان في آسيا وأفريقيا، دخلت الإسلام أفواجاً بلا حرب مستهدية بالسماحة والقيم الإسلامية الرفيعة التي كان المهاجرون من العلماء والتجار المسلمين يتحلون بها.

 

بالمقابل نرى أمريكا التي نصبت نفسها حامية للسلام والأمن الدوليين، تقتل في لحظات وليس في عشر سنين  400 مدنياً في حرب تحرير الكويت من بينهم 52 رضيعاً أصغرهم في السابع من أيامه و 169 امرأة، قد التجئوا في ملجأ العامرية ببغداد، بين طفل رضيع حالم أن يكون شيئاً مذكوراً، وأم قد ضمت طفلها إلى صدرها وهي تأمل أن تراه رجلاً يحميها من آفات الزمان، وشيخ عجوز قد فعل به الدهر وبطش النظام البائد الفاسد ما فعلا، هذا عدا آلاف القتلى والمعاقين من المدنيين الأبرياء في عراقنا الحبيب، الذي لاقى ويلاقي الأهوال والمصائب بفعل الغزو الأمريكي البريطاني. أما قنابل أمريكا الذكية فقد طالت حفلات الأعراس كما رأينا في أفغانستان المسلمة، إذ والعروسين في حفلة زواج سعيدة ضمت الأهل والأقارب والأحباب، وإذا بغربان الأمريكان تلقي عليهم حمم إبليس الرجيم، ليصبحوا بعد لحظات في عداد الأموات، وتصطبغ تلك الثياب المطرزة الجميلة بتلك الدماء البريئة، لترسم لوحة حمراء كالدم، تعلق في المتحف الأمريكي الأحمر!؟

 

وعليه، وبعد أن عرفنا الفرق، هل يصح بعد هذه السماحة الإسلامية اللامتناهية في الحرب فضلاً عن السلم، أن يأتي قس أمريكي متصهين ويقول "أن القرآن مصدر العنف"، وأن يأتي آخر ويقول "أن الدين الإسلامي شيطان ضخم" وفيهم من قال "أن النبي محمد قاتل وإرهابي"؟ أو أن يأتي أحد وزراء بوش ويقول "أن إله المسلمين يحرضهم على قتل الآخرين عن طريق عمليات انتحارية يقوم بها القتلة، لأنه إله يرسل الناس ليموتوا من أجله"؟ أما المحررة الصحفية الأمريكية آن كولتر فهي تقترح "غزو بلدان المسلمين وقتل قادتهم، وإجبارهم على اعتناق المسيحية" هذا في الوقت الذي نجد فيه الكثير من رجال الدين المسيحيين، يحترمون الإسلام ورسوله، بل إن كثيراً من المسيحيين، العرب خصوصاً، من يصلي ويسلم على النبي محمد حين يذكره أو يكتب عنه، مثل الأستاذ جورج جرداق صاحب كتاب (علي صوت العدالة الإسلامية) والأستاذ بولس سلامة صاحب (ملحمة الغدير) والأستاذ أنطوان بارا صاحب (الحسين في الفكر المسيحي) وغيرهم الكثير. 

 

تؤسفنا نحن المسلمين هذه الحملات الإعلامية المغرضة الموجهة في أمريكا وأوروبا ضدنا وضد ديننا، والتي يراد منها تشويه صورة الإسلام لصد من يريد الله هدايته، والله غالب على أمره، والتي اشتدت بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث راح سياسيون رسميون ومثقفون ورجال دين متطرفون يشنون حملات شعواء في وسائل إعلامهم معادية للإسلام وأهله، هذا عدا الاعتقالات الكبيرة والتحقيقات والتمييز في الأعمال والمدارس والجامعات من جهات رسمية، يتعرض لها المواطنون المسلمون في أمريكا وأوروبا حتى اضطر البعض منهم لتغيير اسمه!، وآخرها الأوامر التي صدرت من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) للمكاتب الإقليمية الـ56 يخول للشرطة الهجوم على مساجد المسلمين في الولايات الأمريكية فيما يسمى بمكافحة الإرهاب، وقد حدث هذا في بعض الدول الأوربية كذلك. إن مصدر أسفنا هو، ليس الخوف على ديننا ومعتقدنا، فإيماننا بديننا أقوى من أن تهزه هذه الفقاعات التي سرعان ما أن تتلاشى وهذا الزبد الذي يذهب جفاء والذي لا يتعدى فم صاحبه، فالله سبحانه وتعالى قد قضى وقرر في كتابه الكريم وقال: "وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"،"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره"،"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث التي تزيد في إيماننا وثباتنا وتمسكنا بديننا والعمل الدؤوب لنشر كلمة الحق.

 

لكن أسفنا يشتد حينما نجد أن هناك فئة أمريكية متصهينة فكرياً تجعل من برميل النفط معبوداً، ومن الهيمنة على مستضعفي الأرض معتقداً، ومن إلغاء الآخر دينا!؟ إن هذه الفئة المسخ وانطلاقاً من أحقاد تاريخية ومعتقدات صهيونية مزيفة ومصالح ذاتية، تريد أن تفسد العلاقة القائمة بين الأديان السماوية لتخلق ظرفاً من الاضطهاد الديني الذي كان الأمريكيون أنفسهم قد اكتووا بناره قبل هجرتهم إلى العالم الجديد، كما تريد أن تخلق زمنا أسوداً كظلام الليل مملوء بالآهات والأنات والآلام، لتجعل منه طبقاً شهياً من لحوم ودماء الأبرياء تقتات به وتتغذى منه!؟
375429
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف