قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
ملاحظات حول التحولات السياسية والاجتماعية في البحرين

ما حصل في البحرين من متغيرات على الصعيد السياسي أوجدت تساؤلات كثيرة حول حقيقة ما يجري، حيث أقدم أمير البحرين الجديد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة على إجراءات شملت إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المعارضين والمبعدين وثم إلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة وحصل انفراج نسبي في داخل البلاد، ولكن مع كل ما حصل فإنه تبقى هناك تساؤلات مهمة ترتبط بالتحولات الجارية.

 

هل تؤدي هذه المتغيرات إلى تحول ديمقراطي أو تمهد الطريق لقيام نظام ديمقراطي في عموم منطقة الخليج الحساسة في العالم؟ وهل هناك فعلاً جدية في توجهات القائمين على هذه التحولات بإشراك المجتمع البحريني في صياغة القرار السياسي أم أن القضية لا تتعدى في مجموعها الشعارات والمصطلحات التي تتناغم مع اللغة الإعلامية السائدة خاصة وأن الكثير من الأطراف الموجودة لم تتغير ولم تمس.

 

إن الذي تم لحد الآن من إطلاق سراح المعتقلين وعودة الممنوعين وإلغاء قانون ومحكمة أمن الدولة يمكن أن يطلق عليه تسوية نوعية، وحتى تكون هناك جدية فينبغي أن تستكمل هذه التسوية لمرحلة أهم وأخطر وهي التسوية السياسية كما يعبر د.علي فخرو عن ذلك. لقد مرت البحرين هذه الإمارة الصغيرة في مساحتها والهائلة في حيويتها وعطاء شعبها بأحداث كبيرة، وما حصل في منتصف التسعينات من تحرك شعبي أدى إلى انتفاضة عارمة شملت معظم مناطق البلاد جعل اسم البحرين يحتل مساحة كبيرة على خارطة الأحداث السياسية، وانعكس ذلك بقوة في وسائل الإعلام العربية والعالمية. كل هذا لم يكن مستغرباً، فمنذ مطلع القرن العشرين والناس في البحرين يسعون بشكل حثيث للحصول على حقوقهم ومطالبهم، وكانت التحركات الشعبية تقع بمعدل مرة واحدة كل عشر سنوات، الأمر الذي راكم تطوراً ووعياً نوعياً بتقدم الزمن، حيث مرت بمنعطفات هامة في فترة الخمسينات الستينات والسبعينات والثمانينات إلى أن وصلت إلى ذروتها في انتفاضة التسعينات.

 

وعلى الرغم من الشدة والعنف التي واجهت به الحكومة الناس في مختلف المراحل، إلا أن ذلك لم يثنهم أو يوهي عزيمتهم في المضي قدماً لتحصيل الحقوق جيلاً بعد جيل. وإذا أردنا فعلاً أن يكون هناك تحولاً جدياً تجاه ديمقراطية حقيقية فلا بد من مواجهة مجموعة من التحديات منها:

 

حرية العمل السياسي وهذا يعني:

أولاً: وجود حالة من الشفافية والانفتاح لخلق مناخ سياسي يمتاز بالحيوية والفاعلية والتأثير على مساحة الأحداث، ويمكن ذلك عبر وجود التعددية السياسية التي تشمل مختلف الأطياف حتى يستطيع الشارع أن يعبر عن نفسه فيثري الحياة السياسية على المستوى الشعبي ويساهم في صناعة القرار على مستوى الوطن داخلياً وخارجياً، وهذا يتطلب رفع القيود والحواجز وفتح مسافات واسعة لتسهيل حرية التعبير والصحافة الشعبية، حيث لا تزال وسائل الإعلام مملوكة بالكامل للدولة وتعبر عن وجهة نظرها، بينما تفتقد القوى الشعبية لوسائل إعلام فعالة تعبر فيها عن رأيها بمعزل عن الدولة بكل وضوح. ولا شك أن انفتاح المجال أمام الأطياف السياسية لكي تعبر عن نفسها خارج نطاق الحكومة، سيوجد حالة من التوازن تصب في إثراء الحياة السياسية والاجتماعية وتوجد حالة كبيرة من الطموح والتطلع للارتقاء إلى أوضاع أفضل وأكثر عطاءاً ووعياً.

 

ثانياً: إن قوة أي مجتمع تكمن بقدرته على التعبير عن نفسه فكرياً وسياسياً بشكل سليم وفي وضع صحي، إذ أن من شأن ذلك أن يخلق حالة من التنافس والسعي لتقديم الأفضل على جميع الأصعدة، ولذلك تسعى المجتمعات التي تنشد التقدم والرقي إلى إعطاء دور أكبر للمجتمع للمشاركة على جميع المستويات فيما يرتبط بأمور البلاد فقوة أي حكم تنطلق من قوة المجتمع الذي تستند إليه ويدعمه، وكلما كان دور المجتمع كبيراً وفاعلاً كلما كان ذلك أكثر ضماناً للاستقرار والتماسك الداخلي والعكس صحيح أيضاً.

 

إن أيّ تطلع إلى إقامة مجتمع مدني بتشكيلاته وتعددياته هو تطلع مشروع وحق طبيعي، خاصة عندما يكون ذلك على أسس صحيحة وسليمة ضمن دائرة الأعراف والقيم والضوابط الأخلاقية التي تصب في بناء المجتمع وتماسكه وانسجامه، ولا يقوم ذلك إلا على أساس معيارين مهمين هما: رضا الله وصلاح الناس.

 

حق المعارضة:

من أجل خلق وضع نام وحضاري لا بد من وجود صوت حقيقي للمعارضة يسمع بوضوح وحرية، بالشكل الذي يستطيع أن يعبر عن نفسه بعيداً عن حالات التوجس والريبة أو أية هواجس أمنية تلقي بظلالها في طريقة التعاطي بين الحكم والمجتمع. إن وجود الرأي والرأي الآخر في مجتمع لهو دليل على حيويته وفاعليته وهذا من شأنه أن ينعكس على قدرة المجتمع الإنتاجية في جميع المجالات فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً. ولذلك يلاحظ تسابق المجتمعات المتقدمة لإعطاء فاعلية المعارضة صوتاً أكبر لتمثيل نفسها والتعبير عن آرائها حتى أنها تشكل حكومة ظل معارضة إلى جانب الحزم الحاكم، وهذا ما يوجب حالة من الرقابة الدائمة التي تؤدي إلى التنافس الإيجابي من أجل خدمة الناس والمجتمع. ونحن لسنا بمنأى عن العالم، وعلينا أن نستفيد مما وصل إليه غيرنا من تجارب ناجحة بعد دراستها و أخذ العبر والنافع منها.

 

إن المراقبة الشعبية والنقد الواعي والبناء من شأنه أن يؤثر تأثيراً كبيراً في إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية في أي مجتمع، وهذا ما نحتاج إليه فعلاً، ولذلك تعمل المجتمعات التي تنشد الرقي والتقدم على اعتماد منهج تربوي منذ الصغر يعتمد احترام حرية الرأي والممارسة الديمقراطية وتجربة وسائل الانتخاب في المدرسة واعتماد النقد وفتح المجالات أمامهم بلا حواجز للاستفادة من كافة الوسائل الإعلامية السياسية من صحافة وتلفزة وإذاعات وما أشبه. وتعمد الحكومات المتقدمة إلى عدم التفرد بالقرار خاصة في القضايا المصيرية أو الحاسمة وحتى في بعض القضايا الصغيرة ولا تكتفي بكونها حكومات منتخبة شعبياً. لا شك أن وجود معارضة حقيقية في البحرين سوف يثري الحياة السياسية والاجتماعية وينعكس بذلك إيجاباً على كافة الأصعدة ويعطي انطباعاً إيجابياً عن البحرين ويعزز سمعتها ومكانتها على المستوى الدولي.

 

الواقع الاجتماعي

هناك مشاكل اجتماعية ينبغي إمعان النظر فيها وفي انعكاساتها على الوضع السياسي أهمها:

مشكلة البطالة: وهي معضلة شائكة حيث يصل عدد العاطلين عن العمل في البحرين إلى ثلاثين ألف عاطل حسب إحصائيات الحكومة، في حين تشكل العمالة الوافدة نسبة هائلة من العمالة الوطنية بشكل انعكست على الأوضاع السياسية والاجتماعية وكانت أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تفجر انتفاضة التسعينات. ومع أن الحكومة أطلقت الشعارات في مجال معالجة هذه الأزمة إلا أنه لا توجد جدية حقيقية لتجاوز هذه المعضلة حيث البطء والمماطلة والفساد الإداري المستشري، والتمييز بكل أشكاله وعدم الحسم في اتخاذ خطوات جذرية تحد من الظاهرة، وعدم وجود خطة واضحة ومدروسة لعلاج هذه المشكلة، وهي أمور تشكل عوائق حقيقية للحد من استفحالها فضلاً عن حلها. وإن استمرار الأوضاع على ما هي عليه يمكن أن يؤدي إلى كارثة لا سمح الله إذا لم يتم تداركها سريعاً.

 

وعلى الرغم من ضخامة المشكلة التي تراكمت عبر سنوات طويلة نتيجة الإهمال وسوء التقدير، إلا أنه لا بد من معالجة الأزمة عبر تشكيل لجنة طوارئ سريعة وإعطاءها صلاحيات فوق العادة واعتماد خطة تقتضي بتشغيل عشرة آلاف عاطل خلال سنة واحدة، وهذا كفيل بالبدء بطريقة جادة وسليمة لمعالجة قضية كبيرة كقضية البطالة التي تمثل أحد الامتحانات الصعبة في المرحلة القادمة ودليلاً ملموساً على مدى جدية وفعالية الإصلاحيات السياسية التي انخفضت وتيرة الآمال بشأنها منذ أن أعلن الدستور.

 

مشكلة التجنيس: هناك تساؤلات مهمة تثار لدى الكثير من المراقبين عن حقيقة التجنيس: لماذا؟ وإلى أين؟ ولا شك أن التجنيس كقضية لها تأثير كبير في الوضع السياسي والاجتماعي لا بد من التعاطي معها بشفافية أكبر وعدم إدراجها في قائمة الممنوعات من التداول، إذ أن لها انعكاسات على الوضع الديموغرافي والهوية الوطنية، وهذا ما يترك آثاراً سياسية واجتماعية قد تخل بالنسيج الاجتماعي والوطني لشعب البحرين. ولا شك أن قضية التجنيس ليس عليها غبار إذا ما أريد ذلك من أجل تنمية ونهضة حضارية تصب في تطور ونمو البلاد اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، ولكن المخاوف تتمحور في كونها عملية ظرفية سياسية وأمنية، وهو ما يفترض أن تكون البلاد قد تجاوزته في ظل الانفتاح والإصلاح النسبي. ويبقى أن البحرين تستطيع أن تقطع شوطاً كبيراً على المستويين السياسي والاقتصادي إذا تعززت أجواء المرحلة الحالية والقادمة بمزيد من الحرية والثقة في إمكانات الناس والاستناد عليهم.

 

الفساد الإداري: وهي قضية مهمة ينبغي معالجتها  من إطار خطة مدروسة تؤسس لبناء نهضة حقيقية تشمل مختلف أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ويحتاج  الأمر إلى وضع آليات تعتمد شفافية المكاشفة كأساس، وأن لا يكون أحد فوق القانون، وأن تكون الكفاءة والإخلاص هي المقياس.

207963
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف