قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
عولمة المعايير في الأحوال الشخصية خطر على المجتمع

لعل أول مشهد اجتماعي متمثل في شريحة محسوسة وبأسلوب صريح يسير نحو انبجاسات العولمة في جانبها الثقافي، هو الصرخة التي دوّتها لجنة العريضة النسائية في وسط البهو الخارجي لمبنى وزارة العدل والشئون الإسلامية في يوم الاثنين 14/أكتوبر 2002م.

ومع أنني على ثقة تامّة بأن إلغاء المحاكم الشرعية في البحرين يعدّ من المستحيلات بحسب المعطيات السياسية و التركيبة الاجتماعية، والسائد الديني في وعي المجتمع، إلا أن دعوى إقرار قانون للأحوال الشخصية (وفقاً للمعايير الدولية) يعد سابقة خطيرة استعجلت لجنة العريضة النسائية في طرحها توقيتاً وهيئة.

تعد هذه الخطوة من أولى الخطوات للعمل النسائي المنقول للشارع، وللجنة العريضة على الخصوص، المتناغم مع التطورات الأخيرة في البحرين، والتي من المفترض أن تعطي انطباعاً سلمياً تجاه الآخر، والمتمثل في القضاة والمحاكم الشرعية (الشيعية والسنية) في هذا التحرك، وكان ينبغي أن تبدي حسن النواياً في إرادة الإصلاح والتقويم لا إرادة الإلغاء عبر التراشق الإعلامي اللامدروس، والتعميمات التي تطال من يؤدّون مهمتهم بإخلاص، فهذا السلوك لا شك منافي للنهج الديني والحضاري.

انتظرنا أن تكون اللجنة وهي تعبر عن صوت نسائي أكثر رحمة من الرجل على المجتمع، وإذا بها تعطي انطباعاً بأنها لا تختلف عن السائد بل أشد قسوة. وحسناً فعل المجلس الأعلى للمرأة باستنكاره لهذه التصرفات التي عللها بأنها تنعكس سلباً على مواقف المرأة البحرينية وشقيقها الرجل.

أما الهيئة التي أبدت بها اللجنة اعتراضها ومطالباتها فلم تكن متناغمة مع ما تطالب به من تغيير في قوانين قامت على الشريعة الإسلامية السمحاء أو قل على اجتهادات معتبرة من ذوي التخصص والاجتهاد الإسلامي، الأمر الذي يدعوا من أي مطالب بالتغيير ومن حقه ذلك أن يتوسل بذات المنهج، ويتلخص الخطأ في هيئة الطرح في نقطتين:

الأولى: اللبس الواضح الذي وقعت فيه لجنة العريضة، بين القانون كمادة مستنبطة من الشريعة الإسلامية التي يدين بها شعب البحرين، وبين التصرفات والتجاوزات التي تحصل في أروقة المحاكم من سوء معاملة للمرأة عبر استغلال البعض للوظيفة، وهو أمر واقع كما صرّح بذلك القاضي في المحكمة الجعفرية الشيخ محسن العصفور في لقاء صحفي معه. فكان الأجدر بعضوات لجنة العريضة أن يدققن في خطابهن وفي هدفيته، لينصبّ في جدول إصلاح الخلل وتعديل الانحراف، بدل التعميم ومهاجمة القوانين والأحكام الشرعية.

الثانية: القفز على تعاليم الدين الإسلامي وتجاهل أحكامه بصورة بهلوانية، وذلك عندما طالبن بتطبيق (المعايير الدولية) في مجال قانون الأحوال الشخصية، والذي لا يخفى مخالفته لكثير من التشريعات الدولية التي جاءت متناسبة مع أوضاع الأسرة الغربية، ومخالفتها لكثير من ثوابت الدين الإسلامي.

وإنني لأستغرب أن يطالبن باللحوق بركب مسيرة المجتمع الغربي في أسوأ ما عنده، وفي نقاط ضعفه التي ابتلي بها وهي مجال الأسرة، والذي باتت مظاهرهاً واضحة للعيان من التفكك والانحلال الخلقي، فحري بنا أن نستفيد وننهل من التجارب الناجحة في مجال العطاء المتنوع للمرأة، والبحث عن أسرارها وفاعليتها في تنمية المجتمع، بل والنهوض بمستواها الثقافي بقيامها بحمل نفسها وبمعاونة الرجل لذلك المنحى، وليس مطالبة الرجل وانتظاره لينتشلها مما هي فيه، فإن الرجل مطالب في ذات الوقت بالنهوض بمستواه وبتطوير كفاءته لخدمة التنمية الاجتماعية والثقافية. إن مطالبة كهذه من لجنة العريضة تعد عولمة للخصوصيات من المجتمعات الغربية للمجتمعات الإسلامية بيد أصحابها، وتسييرها بهذه الصورة من التظاهر الأجوف والتراشق الإعلامي الخاوي يعدّ سطحية تفتقر للعمق، إذ تحتاج عملية بهذا المستوى إلى أن تقدّم اللجنة مشروعاً فكرياً يستوعب جميع الأبعاد وناظر لكافة المناحي الاجتماعية، وهذا ما نظر إليه الدين الإسلامي وأنزله في تشريعاته لتنظيم حياة الناس.

212913
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف